الحمض النووي لإنسان دينيسوفا المنقرض لا يزال يُشكّل مناعة البشر الحديثين

باحثون من جامعة ييل يكشفون أن التزاوج القديم مع إنسان دينيسوفا أورث البشر الحديثين في أوقيانوسيا أكثر من 3100 متغيّر جيني لا يزال يؤثر في مناعتهم ضد الأمراض حتى اليوم.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٥ يونيو ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily
القراءات
٠
الوقت
قراءة دقيقتين
نموذج لجمجمة إنسان قديم في متحف علمي

ماذا لو كان لأجدادك الأبعدين، الذين انقرضوا منذ عشرات الآلاف من السنين، دور مباشر في طريقة دفاع جسمك اليوم عن نفسه ضد الأمراض؟ هذا بالضبط ما كشفته دراسة جديدة نُشرت في مجلة Science في يونيو 2026، حيث تتبّع باحثون من جامعة ييل الأثر الجيني لإنسان دينيسوفا داخل جينومات مجتمعات بشرية حديثة في أوقيانوسيا القريبة.

إنسان دينيسوفا مجموعة بشرية منقرضة عُرف وجودها من خلال حفنة من العظام وسن واحدة اكتُشفت في كهف دينيسوفا بسيبيريا، إلى جانب آثار جينية تركتها في جينوم بعض السكان الحديثين. والدراسة الجديدة هي الأشمل من نوعها لتحليل هذا الإرث الجيني، إذ شملت تسلسل الجينوم الكامل لـ 177 فرداً من 12 مجتمعاً في أوقيانوسيا القريبة، وهي المنطقة الجغرافية التي يُعتقد أن التزاوج مع إنسان دينيسوفا كان أوسع انتشاراً فيها.

رصد الباحثون أكثر من 3,100 متغيّر جيني ورثه هؤلاء من إنسان دينيسوفا وتظل نشطة في التعبير الجيني اليوم. والأهم أن كثيراً من هذه المتغيّرات ترتبط بمسار إنترفيرون غاما المناعي، وهو محور رئيسي في الاستجابة المناعية ضد الفيروسات والبكتيريا. يُشير ذلك إلى أن بعض أسلاف البشر في أوقيانوسيا اكتسبوا مقاومة لأمراض محلية عبر التهجين الجيني بين الأنواع مع إنسان دينيسوفا الذي كان يعيش في المنطقة منذ آلاف السنين.

تقول سيرينا تشي، المؤلفة الأولى للدراسة من قسم الأنثروبولوجيا في ييل: «الحمض النووي من البشر المنقرضين لا يزال يؤثر في بيولوجيتنا اليوم، وهذه الجينات تمثّل أكثر من بقايا تطورية؛ إنها تؤثر بفاعلية في تنظيم الجينات.» ويُضيف باتريك ريلي، المؤلف الأول: «الجينات الموروثة من دينيسوفا عزّزت المناعة ضد الفيروسات والبكتيريا التي واجهها البشر القدامى في أوقيانوسيا.»

كشفت الدراسة أيضاً أن إنسان دينيسوفا لم يكن مجموعة متجانسة واحدة، بل أحبّ الباحثون أن تُشير الأدلة الجينية إلى وجود ثلاث مجموعات متمايزة على الأقل، جرى التزاوج معها في أوقات وأماكن مختلفة. هذا التنوع يُفسّر التباين الذي يُلاحظه العلماء في كمية الحمض النووي الدينيسوفي ونوعيته بين مجتمعات مختلفة.

تتجاوز الدراسة مساهمات دينيسوفا المناعية لتكشف عن أثر آخر: إذ تُشير إلى أن متغيّرات جينية موروثة منهم مرتبطة بجين TRPS1 المتعلق بتطور الهيكل العظمي، مما يعني أن التهجين القديم قد أثّر أيضاً في بنية الجسم وتطوره.

تتقاطع هذه النتائج مع اهتمام متنامٍ بعلم الجينوم في المنطقة العربية؛ إذ تقود مبادرات طموحة كمشروع الجينوم السعودي ومسارات التسلسل الجيني الإماراتية مساعيَ فهم التركيب الجيني للسكان العرب وارتباطه بالأمراض. وتُوفّر المنهجيات التي تكشف كيف يُشكّل الإرث الجيني القديم الاستجابة المناعية الحديثة أدواتٍ بحثية قد تُسهم في فهم الخصائص المناعية الخاصة بالتركيبة السكانية العربية، ودرء أمراض وبائية تاريخية تتواتر في بعض مناطق المشرق العربي.

منذ اكتشاف إنسان دينيسوفا عبر أدلة الحمض النووي في العقد الثاني من الألفية الثالثة، يسعى العلماء إلى فهم طبيعة هذا النوع وحجم أثره في تشكيل ما نحن عليه اليوم. هذه الدراسة تُجيب ببلاغة: أجدادنا القدامى لم يختفوا كلياً، بل تركوا خيوطاً جينية فاعلة في نسيج جهازنا المناعي، تواصل عملها الصامت عبر آلاف الأجيال.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
الحمض النووي لإنسان دينيسوفا المنقرض لا يزال يُشكّل مناعة البشر الحديثين — ألمعي