أضخم حدث بركاني في تاريخ الأرض غيّر تركيبة قشرة المحيط من أعماقها

دراسة يابانية تكشف باستخدام الموجات الزلزالية أن البركانية الهائلة التي شكّلت هضبة أونتونج جاوا قبل 110 ملايين سنة أعادت تركيب الصفيحة المحيطية كيميائياً وفيزيائياً عبر عملية إعادة تخصيب.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٩ يوليو ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily
القراءات
٢
الوقت
قراءة دقيقتين
رسم تخيّلي لزلزال في أعماق البحار وهو يُحرّك الصفيحة التكتونية

قبل نحو 110 إلى 120 مليون سنة، اندلع أضخم بركاني يعرفه تاريخ الأرض الجيولوجي؛ لم تكن مجرد ثورات بركانية متفرقة، بل نوبة ضخمة من تدفق الصهارة شكّلت ما يُعرف اليوم بهضبة أونتونج جاوا في أعماق المحيط الهادئ. وكانت العلوم تظنّ أن هذا الحدث لم يفعل أكثر من إضافة طبقات صخرية بركانية فوق الصفيحة المحيطية. لكن دراسة حديثة من جامعة علوم أوكاياما اليابانية كشفت أن ما حدث كان أعمق من ذلك بكثير.

باستخدام الموجات الزلزالية أداةً للاستبصار في أعماق القشرة الأرضية المحيطية، رسم الباحثون صورةً تفصيلية لبنية الصفيحة المحيطية تحت هضبة أونتونج جاوا. وكان ما وجدوه مفاجئاً: الصفيحة لا تُظهر مجرد طبقات أفقية متراكمة من الصخر البركاني، بل تتخلّلها شبكة من أسراب الحواجز الصخرية تمتد عمودياً عبرها، وهي قنوات صهارية جامدة نتجت عن اندفاع الصهارة عبر الشقوق.

الأهم من الشكل هو التأثير الكيميائي. تكشف سرعات الموجات الزلزالية المنخفضة بشكل لافت عن أن الصهارة الصاعدة لم تكتفِ بالتصلّب في هذه الشقوق، بل أعادت تركيب المادة الصخرية الأصيلة للصفيحة عبر عملية إعادة التخصيب؛ إذ استعادت الصخور مكوّنات كيميائية كانت قد فقدتها خلال دورة الصفيحة الطبيعية.

تحكم عملية إعادة التخصيب هذه مبادئ الكيمياء الصخرية: الصهارة الصاعدة القادمة من عمود الوشاح تحمل معها عناصر جديدة كالحديد والمغنيسيوم، وحين تُخترق بها صخور الصفيحة القديمة المُستنفدة، تتحوّل هذه الصخور من صخور مُستنفدة إلى مادة مُخصَّبة غنيّة بهذه العناصر.

ما الذي يعنيه ذلك لفهمنا لكوكبنا؟ يُؤشّر هذا الاكتشاف على أن الحوادث البركانية الهائلة لم تُعِد رسم سطح الأرض فحسب، بل ربما أسهمت في تغيير دورة عناصر بعينها بين القشرة والوشاح. وهذا يُعيد النظر في نماذجنا لتطوّر البنية الداخلية للأرض على مدى مئات الملايين من السنين.

تُستحضر هضبة أونتونج جاوا كثيراً في سياق البحث عن المحرّكات الجيولوجية لتغيرات المناخ الكبرى في الماضي؛ فحجم الصهارة المنبثقة يومها كان ضخماً كفايةً ليُطلق كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، ربما أسهمت في تغييرات مناخية حادة خلال الحقبة الكريتاسية.

أداة مقاييس الزلازل المُستخدمة في هذا البحث هي في حد ذاتها قفزة تقنية جديرة بالإشارة؛ إذ أتاح تحليل الموجات الزلزالية نوعاً من المقطع الجيولوجي الثلاثي الأبعاد للصفيحة المحيطية العميقة دون أن تطأ يد باحث مباشرةً تلك الأعماق السحيقة. إنه علم يقرأ تاريخ الأرض من نبضات أرضها ذاتها.

لا تبعد هذه النتائج عن الاهتمامات العلمية العربية؛ إذ تعكف الهيئة السعودية للمسح الجيولوجي على رسم خرائط تفصيلية لبنية القشرة العربية، فيما يُسهم باحثون من جامعة الكويت وجامعة السلطان قابوس في دراسة الأنشطة البركانية التاريخية لشبه الجزيرة العربية ومنطقة الحرّة البركانية في المدينة المنورة. وتعتمد شركات التنقيب النفطي الخليجية الكبرى كأرامكو وأدنوك تقنيات التصوير الزلزالي الثلاثي الأبعاد المشابهة في استكشاف الطبقات الصخرية العميقة، مما يجعل المنهجية التي قدّمتها هذه الدراسة ذات قيمة تطبيقية مباشرة للقطاع الطاقوي العربي.

يأمل الباحثون أن تُفتح هذه النتائج آفاقاً جديدة لفهم دور الحوادث البركانية الكبرى في تشكيل التوازنات الجيوكيميائية للأرض، وربما تُلقي الضوء على كيفية تنظيم الغلاف الجوي لتركيزات ثاني أكسيد الكربون على المدى الجيولوجي الطويل.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

تصور فني لتوسع الكون وتأثير الطاقة المظلمة على انتشار المجرات في الفضاء

دراسة دولية كبرى تؤكد: الكون لا يزال يتسارع في تمدده والطاقة المظلمة باقية

فريق بحثي دولي بقيادة جامعة ساوثهامبتون يدحض الادعاءات الأخيرة بتباطؤ تمدد الكون، مؤكداً بتحليل دقيق للمستعرات العظمى أن الطاقة المظلمة تواصل دفع الكون نحو التسارع الكوني.

ScienceDaily
نهر ثواتس الجليدي في القارة القطبية الجنوبية كما يبدو من طائرة بحثية في مشروع IceBridge

مئات الزلازل الخفية اكتُشفت قرب نهر ثواتس الجليدي وتُهدد برفع البحار ثلاثة أمتار

رصد علماء أستراليون 245 زلزالاً جليدياً مخفياً بالقرب من نهر القيامة الجليدي بأنتاركتيكا بين 2010 و2023، وهي إشارات تُحذر من تسارع وتيرة ذوبانه وعواقبه الكارثية على مستويات البحار عالمياً.

ScienceDaily
تصور فني لدماغ بشري مضيء يرمز لتحسن الوظائف المعرفية جراء تنقية الهواء

دراسة: مرشحات هيبا تُحسّن الوظيفة التنفيذية للدماغ بنسبة 12% في شهر واحد فقط

تجربة سريرية أمريكية تُثبت أن استخدام أجهزة تنقية الهواء بمرشح هيبا في المنزل لمدة شهر واحد يُحسّن أداء الدماغ لدى البالغين فوق الأربعين بنسبة 12%، مما يكشف أثر تلوث الهواء على الوظائف المعرفية.

ScienceDaily
تصور فني للشذوذ الحراري في الوشاح الداخلي للمريخ يُظهر الجزء الجنوبي الأشد سخونة

علماء يكشفون شذوذاً حرارياً ضخماً في أعماق المريخ يفوق بمئات الدرجات توقعاتنا

باحثو كالتك يكشفون أن الجزء الجنوبي من باطن المريخ أشد حرارةً بمئات الدرجات من الشمال وقد يكون منصهراً جزئياً، وهو ما يفسر لغز المغناطيسية والزلازل المريخية.

ScienceDaily
الحاسوب الكمي IBM Q System One في معرض لاس فيغاس 2019

الحاسوب الكمي لشركة IBM يحل مسألة تعجز عنها الحواسيب الكلاسيكية في 15 دقيقة

حقق باحثو IBM وجامعة شيكاغو إنجازاً تاريخياً في الحوسبة الكمية باستخدام 70 كيوبتاً منطقياً مصحَّح الأخطاء، إذ أتموا عملية حسابية معقدة في ربع ساعة فقط.

ScienceDaily
نهر جليدي صخري في المرتفعات الأمريكية

باحثون يكتشفون خزاناً جليدياً ضخماً مختبئاً في باطن جبال ولاية يوتا الأمريكية

استخدم فريق بحثي قياسات الجاذبية لرسم خريطة ثلاثية الأبعاد لنهر جليدي صخري مدفون تحت جبل تيمبانوغوس في يوتا، تبيّن أنه يحوي ما يكفي لملء 600 مسبح أولمبي.

ScienceDaily