الأرض تملك منظّماً مناخياً طبيعياً خفياً.. وعلماء يكشفون آليته للمرة الأولى
دراسة جديدة تكشف أن التفاعل بين منسوب البحار والفوسفات المحيطي ودفن الكربون يُشكّل منظومة تنظيم مناخية طبيعية أبقت الأرض صالحة للحياة على مدى عشرات الملايين من السنين.

حافظت الأرض على درجات حرارة تُتيح الحياة طوال أكثر من مائة مليون سنة رغم التقلبات الجيولوجية العملاقة في مواضع القارات وكثافة الإشعاع الشمسي. ظلت هذه الاستدامة المناخية الاستثنائية غير مفسَّرة تماماً، حتى جاءت دراسة نشرها فريق دولي في يوليو 2026 لتكشف آليةً طبيعية دقيقة تربط ثلاثة أنظمة بيئية في حلقة تغذية راجعة هي أشبه بمنظّم حرارة كوكبي.
القصة تبدأ بمنسوب البحار. حين ترتفع درجات الحرارة الكوكبية وتتراجع الأغطية الجليدية القطبية، يرتفع مستوى البحار ويتوسع الرصيف القاري الضحل تحت الماء. تتحول هذه الأرفف الواسعة إلى مصائد فعلية للفوسفات، ذلك العنصر الغذائي الضروري للإنتاجية البيولوجية في المحيطات.
مع نقص الفوسفات في المياه المفتوحة، تتباطأ إنتاجية العوالق والحياة البحرية الدقيقة. أقل كائنات تموت وتغرق، أقل كربون عضوي يصل إلى القاع ويُطمر في الرواسب البحرية. النتيجة: يبقى المزيد من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي فيُسهم في تدفئة الكوكب. الأرض أكثر دفئاً تعني مزيداً من ذوبان الجليد وارتفاع في منسوب البحار.
لكن حين ينعكس الاتجاه وتبرد الأرض تدريجياً وتتراجع مناسيب البحار، تنحسر الأرفف القارية وينطلق الفوسفات المحجوز نحو المحيطات المفتوحة. تنشط الإنتاجية البيولوجية بقوة، وتنزل كميات أكبر من الكربون إلى قيعان المحيطات. هناك، في المناطق الشحيحة بالأكسجين، يتراكم الكربون العضوي في الرواسب بدلاً من أن يتحلل ويعود غازاً إلى الجو. الكوكب يبرد، الجليد يتمدد، البحار تنخفض.
ما وجده الفريق الأكثر إثارةً هو أن هذه الحلقة تبلغ ذروة فاعليتها عند نقطة حرجة بعينها: حين يقف منسوب البحار في نطاق 10 إلى 40 متراً فوق مستواه الحالي. في هذه النقطة تتداخل مناطق المياه الشحيحة بالأكسجين مع الرواسب الغنية بالكربون على الأرفف القارية، فتُطلق المزيد من الفوسفات في دورة تعزيز ذاتية تُضخّم دفن الكربون بصورة استثنائية.
لاختبار هذه الفرضية، استعان الباحثون بسجلات جيولوجية تمتد 60 مليون سنة: نظائر الكربون في الرواسب، ومعدلات تراكم الفوسفور في قيعان المحيطات، ونسبة اليود إلى الكالسيوم كمؤشر على مستويات الأكسجين القديمة في المحيطات. الإيوسين، تلك الحقبة الدافئة التي امتدت من 56 إلى 34 مليون سنة، كانت اختباراً فارقاً: عندما كانت مناسيب البحار مرتفعة جداً، كانت الأرفف الواسعة تحبس الفوسفات وتُضعف إنتاجية المحيطات، ما أسهم في بقاء ثاني أكسيد الكربون مرتفعاً نسبياً. جميع التوقعات انسجمت مع البيانات الجيولوجية.
تُعدّ المنطقة العربية بين أشد مناطق العالم هشاشةً أمام ارتفاع منسوب البحار المتسارع؛ إذ تقع مدن ساحلية كبرى كالإسكندرية والبصرة وأبوظبي ودبي على مستويات منخفضة جداً يُهددها أي ارتفاع يتجاوز مترين. وتُظهر بيانات المناخ أن منطقة الخليج تسخن بمعدل يفوق المتوسط العالمي، فيما يواجه الرصيف القاري للخليج العربي والبحر الأحمر تحولات في النظم البيئية تمس حياة ملايين الصيادين والمجتمعات الساحلية من اليمن إلى المغرب. وقد بدأت خطط التكيف الوطنية في مصر والإمارات والمغرب دمج سيناريوهات ارتفاع منسوب البحار في تصميم البنية التحتية الساحلية، مما يجعل فهم الآليات الطبيعية لتنظيم المناخ على المدى الجيولوجي جزءاً لا غنى عنه من منظومة صنع القرار البيئي في المنطقة.
يعني هذا الاكتشاف أننا نفهم الآن لماذا لم تُصبح الأرض كوكباً محترقاً خلال ذروات الاحترار الجيولوجي القديم. غير أنه يُطرح سؤال جدي لا إجابة واضحة عنه بعد: كيف سيتصرف هذا المنظّم الطبيعي في ظل ارتفاع مناسيب البحار المتسارع جراء التغير المناخي الحالي المُحرَّك بشرياً، وبسرعة تفوق بكثير ما شهده الكوكب في دوراته الطبيعية السابقة؟
المزيد من بيئة
شاحنة كهربائية بأقل من 25,000 دولار: هل تُنجح Slate Auto حيث أخفقت سياسات الطاقة النظيفة؟
تطرح شركة Slate Auto شاحنة كهربائية صغيرة بسعر 25,000 دولار وبطارية فوسفات حديد الليثيوم بمدى 205 أميال، مراهنةً على أن المشكلة الأساسية في الاعتماد على السيارات الكهربائية هي السعر لا المدى.

دراسة دولية كبرى تؤكد: الكون لا يزال يتسارع في تمدده والطاقة المظلمة باقية
فريق بحثي دولي بقيادة جامعة ساوثهامبتون يدحض الادعاءات الأخيرة بتباطؤ تمدد الكون، مؤكداً بتحليل دقيق للمستعرات العظمى أن الطاقة المظلمة تواصل دفع الكون نحو التسارع الكوني.
مئات الزلازل الخفية اكتُشفت قرب نهر ثواتس الجليدي وتُهدد برفع البحار ثلاثة أمتار
رصد علماء أستراليون 245 زلزالاً جليدياً مخفياً بالقرب من نهر القيامة الجليدي بأنتاركتيكا بين 2010 و2023، وهي إشارات تُحذر من تسارع وتيرة ذوبانه وعواقبه الكارثية على مستويات البحار عالمياً.

دراسة: مرشحات هيبا تُحسّن الوظيفة التنفيذية للدماغ بنسبة 12% في شهر واحد فقط
تجربة سريرية أمريكية تُثبت أن استخدام أجهزة تنقية الهواء بمرشح هيبا في المنزل لمدة شهر واحد يُحسّن أداء الدماغ لدى البالغين فوق الأربعين بنسبة 12%، مما يكشف أثر تلوث الهواء على الوظائف المعرفية.

علماء يكشفون شذوذاً حرارياً ضخماً في أعماق المريخ يفوق بمئات الدرجات توقعاتنا
باحثو كالتك يكشفون أن الجزء الجنوبي من باطن المريخ أشد حرارةً بمئات الدرجات من الشمال وقد يكون منصهراً جزئياً، وهو ما يفسر لغز المغناطيسية والزلازل المريخية.
الحاسوب الكمي لشركة IBM يحل مسألة تعجز عنها الحواسيب الكلاسيكية في 15 دقيقة
حقق باحثو IBM وجامعة شيكاغو إنجازاً تاريخياً في الحوسبة الكمية باستخدام 70 كيوبتاً منطقياً مصحَّح الأخطاء، إذ أتموا عملية حسابية معقدة في ربع ساعة فقط.