البحث عن المادة المظلمة يدخل حقبة جديدة مع توسّع نطاق الجسيمات المرشحة

بعد عقود من البحث الفاشل عن الجسيم الثقيل المتفاعل ضعيفاً يتحوّل علماء الفيزياء نحو الأكسيون وتقنيات كشف مبتكرة في ظل اقتراب كاشفات الزينون من حدود الضباب النيوتريني.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٩ يونيو ٢٠٢٦
القراءات
١
الوقت
قراءة دقيقتين
تصوير فني للمادة المظلمة والبنية الكونية

بعد عقود من البحث المضني عن الجسيم الثقيل المتفاعل ضعيفاً بوصفه المرشح الأوفر حظاً لتفسير المادة المظلمة يجد علماء الفيزياء أنفسهم أمام مشهد جديد كلياً، إذ بات البحث ينفتح على طيف واسع من الجسيمات والتقنيات البديلة في ما وصفته مجلة MIT Technology Review بـ«حقبة جديدة في مسيرة البحث عن المادة المظلمة».

تُشكّل المادة المظلمة نحو 27 بالمئة من مكوّنات الكون المرصود، غير أنها لا تنبعث منها إشعاعات كهرومغناطيسية ولا تتفاعل معها وتظلّ مخفيّة عن عيوننا بشكل تام، ولا يُدلّ على وجودها سوى تأثيرها الجاذبي الملموس في بنية المجرات. ولم تُسفر عقود البحث باستخدام كاشفات الزينون الضخمة التي تُقيّد الزينون السائل في خزانات عميقة تحت الأرض عن دليل مباشر على وجود الجسيمات الثقيلة المتفاعلة ضعيفاً.

ووصل هذا النهج إلى حائط صلب مزدوج؛ فمن جهة يقترب المقياس الكوني من ما يُعرف بـ«الضباب النيوتريني» وهو مستوى من الحساسية تُصبح فيه إشارات النيوترينو الخلفية غير قابلة للتمييز عن إشارات المادة المظلمة المحتملة. ومن جهة أخرى اصطدم مقترح إنشاء جهاز XLZD الذي سيستخدم ما بين 60 و80 طناً من الزينون السائل بعقبة تمويلية حين رفضت وزارة الطاقة الأمريكية دعمه في ديسمبر 2025.

وفي مواجهة هذا الطريق المسدود تتحوّل أنظار الباحثين بصورة متصاعدة نحو جسيم الأكسيون وهو جسيم افتراضي خفيف الكتلة للغاية يحمل طاقة مماثلة لموجات الراديو، اقتُرح في الأصل لحلّ إشكالية في الفيزياء النووية تُعرف بـ«مسألة CP القوية». ويعمل الفيزيائي غراي ريبكا وفريقه على بناء تجارب تعتمد على غرف مبرّدة فائقة وحقول مغناطيسية قوية لمحاولة استحداث هذه الجسيمات وكشفها.

وتتسع المساحة المحتملة لمرشحات المادة المظلمة اتساعاً مذهلاً؛ إذ تُقدّر الفيزيائية كاثرين زيريك النطاق المحتمل للكتل بنحو خمسين رتبة من المقدار. ويعني ذلك أن الجسيم المنشود قد يكون خفيفاً كالفوتون أو ثقيلاً كالكويكبات الصغيرة مما يجعل البحث العشوائي ضرباً من المستحيل ويستلزم منهجيات أكثر دقة.

وفي هذا الإطار يتجه الباحثون إلى مقاربات مبتكرة تتجاوز نموذج كاشفات الزينون الضخمة؛ إذ يُطوّر بعضهم تجارب مكتبية صغيرة تستخدم الهيليوم السائل أو الشبكات البلورية، فيما يقترح آخرون البحث عن آثار المادة المظلمة داخل الكواكب والأقمار كقمر المشتري غانيميد.

يُسهم باحثون عرب في مواكبة هذه التحولات العلمية؛ فجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية «كاوست» بالمملكة العربية السعودية تُموّل أبحاثاً في فيزياء الجسيمات والفلك الحسابي يمكن أن تتصل بنمذجة المادة المظلمة وتحليل بيانات المراصد الكبرى. كما يشارك باحثون عرب في تعاونات دولية تستخدم شبكات التلسكوبات الفضائية. ومع تحوّل البحث نحو تجارب مكتبية أصغر حجماً وأقل تكلفة، تنفتح آفاق حقيقية أمام مختبرات الجامعات العربية للمساهمة في هذا الجهد الكوني الكبير.

وتُعبّر هذه اللحظة العلمية عن تحوّل نموذجي في البحث عن أكبر لغز في الفيزياء الحديثة؛ فبعد أن أوشكت فرضية الجسيمات الثقيلة على الاستنفاد يتحوّل المجتمع العلمي إلى فضاء أكثر سعةً من الاحتمالات. ويرى المتفائلون أن هذا التنويع يرفع احتمالات الاكتشاف فيما يرى المتشككون أنه اعتراف ضمني بأن المجتمع العلمي لا يزال يبحث في الظلام. في كلتا الحالتين يبدو أن الإجابة عن السؤال «ما المادة المظلمة؟» لم تعد حكراً على نهج واحد.

المصدر الأصلي
MIT Technology Review
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

تصور فني لتوسع الكون وتأثير الطاقة المظلمة على انتشار المجرات في الفضاء

دراسة دولية كبرى تؤكد: الكون لا يزال يتسارع في تمدده والطاقة المظلمة باقية

فريق بحثي دولي بقيادة جامعة ساوثهامبتون يدحض الادعاءات الأخيرة بتباطؤ تمدد الكون، مؤكداً بتحليل دقيق للمستعرات العظمى أن الطاقة المظلمة تواصل دفع الكون نحو التسارع الكوني.

ScienceDaily
نهر ثواتس الجليدي في القارة القطبية الجنوبية كما يبدو من طائرة بحثية في مشروع IceBridge

مئات الزلازل الخفية اكتُشفت قرب نهر ثواتس الجليدي وتُهدد برفع البحار ثلاثة أمتار

رصد علماء أستراليون 245 زلزالاً جليدياً مخفياً بالقرب من نهر القيامة الجليدي بأنتاركتيكا بين 2010 و2023، وهي إشارات تُحذر من تسارع وتيرة ذوبانه وعواقبه الكارثية على مستويات البحار عالمياً.

ScienceDaily
تصور فني لدماغ بشري مضيء يرمز لتحسن الوظائف المعرفية جراء تنقية الهواء

دراسة: مرشحات هيبا تُحسّن الوظيفة التنفيذية للدماغ بنسبة 12% في شهر واحد فقط

تجربة سريرية أمريكية تُثبت أن استخدام أجهزة تنقية الهواء بمرشح هيبا في المنزل لمدة شهر واحد يُحسّن أداء الدماغ لدى البالغين فوق الأربعين بنسبة 12%، مما يكشف أثر تلوث الهواء على الوظائف المعرفية.

ScienceDaily
تصور فني للشذوذ الحراري في الوشاح الداخلي للمريخ يُظهر الجزء الجنوبي الأشد سخونة

علماء يكشفون شذوذاً حرارياً ضخماً في أعماق المريخ يفوق بمئات الدرجات توقعاتنا

باحثو كالتك يكشفون أن الجزء الجنوبي من باطن المريخ أشد حرارةً بمئات الدرجات من الشمال وقد يكون منصهراً جزئياً، وهو ما يفسر لغز المغناطيسية والزلازل المريخية.

ScienceDaily
الحاسوب الكمي IBM Q System One في معرض لاس فيغاس 2019

الحاسوب الكمي لشركة IBM يحل مسألة تعجز عنها الحواسيب الكلاسيكية في 15 دقيقة

حقق باحثو IBM وجامعة شيكاغو إنجازاً تاريخياً في الحوسبة الكمية باستخدام 70 كيوبتاً منطقياً مصحَّح الأخطاء، إذ أتموا عملية حسابية معقدة في ربع ساعة فقط.

ScienceDaily
نهر جليدي صخري في المرتفعات الأمريكية

باحثون يكتشفون خزاناً جليدياً ضخماً مختبئاً في باطن جبال ولاية يوتا الأمريكية

استخدم فريق بحثي قياسات الجاذبية لرسم خريطة ثلاثية الأبعاد لنهر جليدي صخري مدفون تحت جبل تيمبانوغوس في يوتا، تبيّن أنه يحوي ما يكفي لملء 600 مسبح أولمبي.

ScienceDaily