الكون يتمدد أسرع من الضوء دون خرق أينشتاين: فيزياء الفضاء المدهشة

علماء الفلك يُفسّرون كيف تبتعد مجرات بعيدة بسرعة تفوق سرعة الضوء دون خرق النسبية الخاصة لأينشتاين، لأن الفضاء ذاته هو الذي يتمدد وليست المجرات تتحرك خلاله.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٢٧ يوليو ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily
القراءات
١
الوقت
قراءة دقيقتين
مجرات بعيدة تبتعد بسرعة أعلى من الضوء بفعل التمدد الكوني

ثمة حقيقة فلكية مذهلة قد تبدو للوهلة الأولى تناقضًا صارخًا مع إرث أينشتاين العلمي: مجرات كثيرة في أطراف الكون المرصود تبتعد عنا بسرعة تفوق سرعة الضوء، لكنها لا تُخالف النسبية الخاصة بتاتًا. كيف يكون ذلك؟ يُقدّم علماء الفلك اليوم شرحًا أكثر عمقًا لهذه الظاهرة التي تُلقي ضوءًا على طبيعة الكون الفيزيائية.

يقوم الفهم الصحيح على تمييز جوهري بين أمرَين: سرعة الأجسام وهي تتحرك خلال الفضاء، وسرعة التمدد الكوني للفضاء ذاته. تقول النسبية الخاصة إن لا شيء يُمكنه التحرك عبر الفضاء بسرعة تفوق الضوء. لكنها لا تقول شيئًا عن سرعة تمدد الفضاء نفسه. والتمدد الكوني ظاهرة مختلفة جذريًا: الفضاء بين المجرات يتمدد، ومع هذا التمدد تتباعد المجرات دون أن تتحرك فعليًا عبر الفضاء المحيط بها.

يُستعان بتشبيه بسيط لتوضيح المفهوم: تخيّل نقطتَين مرسومتَين على بالون يُنفَخ تدريجيًا. تتباعد النقطتان لا لأن إحداهما تتحرك، بل لأن السطح بينهما يتمدد. الكون يعمل بطريقة مماثلة في أبعاده الثلاثة.

يقيس علماء الفلك سرعة ابتعاد المجرات عبر ظاهرة الإزاحة نحو الأحمر، إذ ينزاح الضوء القادم من المجرة المبتعدة نحو الأطوال الموجية الأطول. وكلما ازداد هذا الانزياح، دلّ ذلك على سرعة ابتعاد أكبر للمجرة.

ثمة حد يُسمّى "مسافة هابل" عند نحو 13.77 مليار سنة ضوئية، تبلغ فيه سرعة انسحاب المجرات تحديدًا سرعة الضوء. غير أن ما هو أبعد من ذلك لا يُعني أننا لا نستطيع رؤيته. فنحن نرصد مجرات تجاوزت هذا الحد لأن ضوءها وصل إلينا في وقت كانت فيه أقرب، وظل يسافر ليُلحق بنا عبر المليارات من السنين الضوئية.

بيد أن لهذا المشهد أفقًا أقصى لا يمكن تجاوزه. يُقدّره الباحثون عند نحو 17 مليار سنة ضوئية وهو ما يُسمّى بأفق الحدث الكوني: أي ضوء يُنبعث من مصدر أبعد من هذه المسافة اليوم لن يصلنا قط، لأن الفضاء يتمدد بين المصدر وبيننا بسرعة أعلى مما يستطيع الضوء قطعه. وهذا الأفق ليس جدارًا ماديًا، بل حدّ هندسي ديناميكي في النسيج الكوني.

يتحكم في معدل هذا التمدد ثابت هابل، المعامل الذي يُعبّر عن كمية تمدد الكون لكل وحدة مسافة. وقد بات تحديد قيمته الدقيقة من أهم التحديات في علم الكون المعاصر، لأن القياسات المختلفة تُعطي أرقامًا متباينة في ما يُسمّى "توتر هابل".

والمحرّك الأساسي لتسارع هذا التمدد هو الطاقة المظلمة، تلك القوة الغامضة التي تُشكّل نحو 68 بالمئة من محتوى الكون الكلي. فبدلًا من أن تتباطأ سرعة التمدد بفعل الجاذبية كما توقّع الفيزيائيون تاريخيًا، تزداد هذه السرعة مع الوقت بسبب الطاقة المظلمة.

يمتلك العالم العربي إرثاً عريقاً في علم الفلك؛ فكثير من النجوم البارزة في خرائط السماء تحمل أسماء عربية كالدبران والعقرب والفرقد، وأرسى علماء كابن الهيثم والبيروني أسس البصريات والرصد الفلكي. واليوم تحمل الإمارات العربية المتحدة هذا الإرث إلى آفاق جديدة عبر مسبار الأمل ومشاريع مركز محمد بن راشد للفضاء، فيما تطوّر جامعات عربية كاوست أقسامًا ناشئة في الفيزياء الفلكية والكونيات، ساعيةً إلى المشاركة في فهم الكون الأشمل الذي تكشف عنه هذه الدراسات.

تُشير التوقعات إلى أن هذا التمدد المتسارع سيُفضي على مدى مئة مليار سنة إلى اختفاء معظم المجرات البعيدة عن أفق رؤيتنا تدريجيًا، حتى يُصبح الكون المرصود مقتصرًا على المجموعة المحلية من المجرات القريبة. سيرى مراقب مستقبلي بعيد كونًا يبدو فارغًا إلى حد بعيد، بلا أثر للمليارات من المجرات التي نُشاهدها اليوم.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

تصور فني لتوسع الكون وتأثير الطاقة المظلمة على انتشار المجرات في الفضاء

دراسة دولية كبرى تؤكد: الكون لا يزال يتسارع في تمدده والطاقة المظلمة باقية

فريق بحثي دولي بقيادة جامعة ساوثهامبتون يدحض الادعاءات الأخيرة بتباطؤ تمدد الكون، مؤكداً بتحليل دقيق للمستعرات العظمى أن الطاقة المظلمة تواصل دفع الكون نحو التسارع الكوني.

ScienceDaily
نهر ثواتس الجليدي في القارة القطبية الجنوبية كما يبدو من طائرة بحثية في مشروع IceBridge

مئات الزلازل الخفية اكتُشفت قرب نهر ثواتس الجليدي وتُهدد برفع البحار ثلاثة أمتار

رصد علماء أستراليون 245 زلزالاً جليدياً مخفياً بالقرب من نهر القيامة الجليدي بأنتاركتيكا بين 2010 و2023، وهي إشارات تُحذر من تسارع وتيرة ذوبانه وعواقبه الكارثية على مستويات البحار عالمياً.

ScienceDaily
تصور فني لدماغ بشري مضيء يرمز لتحسن الوظائف المعرفية جراء تنقية الهواء

دراسة: مرشحات هيبا تُحسّن الوظيفة التنفيذية للدماغ بنسبة 12% في شهر واحد فقط

تجربة سريرية أمريكية تُثبت أن استخدام أجهزة تنقية الهواء بمرشح هيبا في المنزل لمدة شهر واحد يُحسّن أداء الدماغ لدى البالغين فوق الأربعين بنسبة 12%، مما يكشف أثر تلوث الهواء على الوظائف المعرفية.

ScienceDaily
تصور فني للشذوذ الحراري في الوشاح الداخلي للمريخ يُظهر الجزء الجنوبي الأشد سخونة

علماء يكشفون شذوذاً حرارياً ضخماً في أعماق المريخ يفوق بمئات الدرجات توقعاتنا

باحثو كالتك يكشفون أن الجزء الجنوبي من باطن المريخ أشد حرارةً بمئات الدرجات من الشمال وقد يكون منصهراً جزئياً، وهو ما يفسر لغز المغناطيسية والزلازل المريخية.

ScienceDaily
الحاسوب الكمي IBM Q System One في معرض لاس فيغاس 2019

الحاسوب الكمي لشركة IBM يحل مسألة تعجز عنها الحواسيب الكلاسيكية في 15 دقيقة

حقق باحثو IBM وجامعة شيكاغو إنجازاً تاريخياً في الحوسبة الكمية باستخدام 70 كيوبتاً منطقياً مصحَّح الأخطاء، إذ أتموا عملية حسابية معقدة في ربع ساعة فقط.

ScienceDaily
نهر جليدي صخري في المرتفعات الأمريكية

باحثون يكتشفون خزاناً جليدياً ضخماً مختبئاً في باطن جبال ولاية يوتا الأمريكية

استخدم فريق بحثي قياسات الجاذبية لرسم خريطة ثلاثية الأبعاد لنهر جليدي صخري مدفون تحت جبل تيمبانوغوس في يوتا، تبيّن أنه يحوي ما يكفي لملء 600 مسبح أولمبي.

ScienceDaily