اللب الخارجي للأرض ينعكس اتجاهه فجأة تحت المحيط الهادئ في ظاهرة غامضة

اكتشف علماء أن الحديد المنصهر في اللب الخارجي للأرض تحت المحيط الهادئ عكس اتجاه حركته فجأة عام 2010، مما يُثير تساؤلات جوهرية حول آلية الدينامو الجيولوجي والمجال المغناطيسي للكوكب.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٨ أغسطس ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily
القراءات
٣
الوقت
قراءة 3 دقائق
صورة توضيحية للب الخارجي للأرض وانعكاس تدفق الحديد المنصهر تحت المحيط الهادئ

كشف علماء من جامعة إدنبرة بالتعاون مع وكالة الفضاء الأوروبية أن اللب الخارجي للأرض شهد تحولاً مفاجئاً وغير مسبوق عام 2010، إذ انعكس اتجاه تدفق الحديد المنصهر في منطقة واسعة تحت المحيط الهادئ، متحولاً من الاتجاه الغربي إلى الشرقي. والأكثر إثارةً أن العلماء لا يعرفون حتى الآن ما الذي أدى إلى هذا الانعكاس المذهل في قلب الكوكب.

نُشرت نتائج الدراسة في مجلة الدراسات المتعلقة بعمق الأرض الداخلي، وتستند إلى بيانات جُمعت بين عامَي 1997 و2025 من مصادر متعددة، أبرزها الأقمار الصناعية التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، فضلاً عن بيانات المهمتين الألمانيتين شامب وأورستد. وللمرة الأولى، تمكّن الباحثون من رسم صورة تفصيلية دقيقة لما يجري على بُعد آلاف الكيلومترات تحت أقدامنا.

يتكون اللب الخارجي للأرض من الحديد السائل والنيكل المنصهر، ويقع على عمق يتراوح بين 2200 و5100 كيلومتر تحت السطح. ولسنوات طويلة، اعتقد العلماء أن حركة الحديد المنصهر داخل هذه الطبقة تسير أساساً باتجاه غربي، مما يُغذّي آلية الدينامو الجيولوجي التي تُولّد المجال المغناطيسي للكوكب. غير أن عام 2010 أحدث مفاجأة كبرى: انعكس انعكاس التدفق في قسم واسع من الحديد المنصهر تحت المحيط الهادئ ليتجه شرقاً بقوة لافتة.

قال الباحث الرئيسي للدراسة، فريدريك دال مادسن من كلية علوم الأرض في جامعة إدنبرة: "يطرح الانعكاس الواسع النطاق تحت المحيط الهادئ أسئلةً جوهرية جديدة حول سلوك الأعماق الداخلية للأرض. يريد العلماء أن يفهموا ما إذا كان هذا الانعكاس يمثّل تذبذباً قصير الأمد، أم أنه جزء من دورة متكررة، أم أنه يُشكّل توازناً مستقراً جديداً لدوران اللب."

ما يزيد المسألة تعقيداً أن الانعكاس لم يقتصر على اللب الخارجي. فقد لاحظ العلماء أن هذا التحول جاء متزامناً مع تغيّر ملحوظ في سلوك اللب الداخلي الصلب في قلب الأرض، كما كشفت بيانات علم الزلازل والجيوديسيا. ويرى مادسن أن هذا التزامن يُشير إلى وجود ترابط وثيق بين طبقات الأرض العميقة، لا سيما حدّ اللب-الوشاح الذي يقع على عمق نحو 2900 كيلومتر، وهو المنطقة الفاصلة بين اللب الخارجي السائل والوشاح الصلب فوقه.

أدّت البيانات الفضائية الصادرة عن الأقمار الصناعية دوراً محورياً في هذا الاكتشاف. فقمر سوارم، الذي أطلقته وكالة الفضاء الأوروبية عام 2013، يحمل مقاييس مغناطيسية بالغة الدقة قادرة على الفصل بين إشارات المجال المغناطيسي المنبثقة من اللب وتلك الصادرة عن القشرة والمحيطات والغلاف المغناطيسي للأرض. بعبارة أخرى، استطاع العلماء رؤية ما يجري في أعماق الكوكب من الفضاء الخارجي.

أشارت المديرة العلمية لمهمة سوارم، إليزابيتا إيورفيدا، إلى أن الدراسة تتحدى الفهم السائد بأن التدفق الغربي المستقر يهيمن على اللب الخارجي، موضحةً: "تُظهر هذه الدراسة أن التغيّرات الإقليمية يمكن أن تظهر بسرعة خلال عقد واحد فقط. وقد تُسهم النتائج في مساعدة العلماء على دراسة التفاعلات المحتملة بين اللب الخارجي واللب الداخلي والوشاح الأسفل، مما يُتيح رؤى أعمق في حدّ اللب-الوشاح الذي يُعدّ منطقة بالغة الأهمية في ديناميكيات الأرض العميقة."

ولعل أبرز ما كشفه تحليل البيانات الفضائية هو أن التدفق الشرقي القوي الذي بدأ عام 2010 أخذ يضعف منذ عام 2020، مما يرجّح أنه تحوّل مؤقت أو أنه جزء من دورة طبيعية أطول أمداً داخل اللب الخارجي. كما رصد العلماء اضطرابات شبيهة بالأمواج وتسارعات مفاجئة في البيانات، من بينها الهزّة المغناطيسية الأرضية التي رُصدت عام 2017.

ورغم أن هذه الأحداث تجري في أعماق الأرض ولا تُشكّل أي خطر مباشر على البشر أو المناخ، فإن فهمها بالغ الأهمية. فالمجال المغناطيسي الذي يُولّده الدينامو الجيولوجي يُمثّل درعاً واقية لكوكبنا من جسيمات الرياح الشمسية المشحونة والإشعاع الكوني الضار. كما تؤثر التغيرات في هذا المجال على أنظمة الملاحة والاتصالات الفضائية ونماذج الطقس الفضائي.

يتقاطع هذا الاكتشاف مع مصالح تقنية مباشرة للمنطقة العربية؛ فالتغيرات في المجال المغناطيسي الأرضي تؤثر على دقة منظومات GPS وإشارات الاتصالات الفضائية التي تعتمد عليها اقتصادات الخليج اعتماداً جوهرياً. كما تُطوّر المملكة العربية السعودية والإمارات شبكات رصد متقدمة للطقس الفضائي ضمن خطط البنية التحتية الرقمية الوطنية، مستفيدتَين من بيانات مهمة سوارم ذاتها. وكلما تعمّق فهم العلماء لديناميكيات اللب الخارجي، تحسّنت نماذج التنبؤ بالاضطرابات الجيومغناطيسية وتقليص أثرها على منظومات الملاحة والاتصالات الإقليمية.

تُؤكد هذه الدراسة أن الأرض ليست كياناً ساكناً جامداً تحت أقدامنا، بل هي عالم ديناميكي متحرك في أعماقه. وبينما يواصل علماء مهمة سوارم رصد تطور هذا التدفق في السنوات المقبلة، يظل السؤال الكبير قائماً: هل انعكاس عام 2010 مجرد فصل قصير في رواية طويلة، أم أنه يُبشّر بتحول هيكلي أعمق في المحرك المخفي لكوكبنا؟

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

تصور فني لتوسع الكون وتأثير الطاقة المظلمة على انتشار المجرات في الفضاء

دراسة دولية كبرى تؤكد: الكون لا يزال يتسارع في تمدده والطاقة المظلمة باقية

فريق بحثي دولي بقيادة جامعة ساوثهامبتون يدحض الادعاءات الأخيرة بتباطؤ تمدد الكون، مؤكداً بتحليل دقيق للمستعرات العظمى أن الطاقة المظلمة تواصل دفع الكون نحو التسارع الكوني.

ScienceDaily
نهر ثواتس الجليدي في القارة القطبية الجنوبية كما يبدو من طائرة بحثية في مشروع IceBridge

مئات الزلازل الخفية اكتُشفت قرب نهر ثواتس الجليدي وتُهدد برفع البحار ثلاثة أمتار

رصد علماء أستراليون 245 زلزالاً جليدياً مخفياً بالقرب من نهر القيامة الجليدي بأنتاركتيكا بين 2010 و2023، وهي إشارات تُحذر من تسارع وتيرة ذوبانه وعواقبه الكارثية على مستويات البحار عالمياً.

ScienceDaily
تصور فني لدماغ بشري مضيء يرمز لتحسن الوظائف المعرفية جراء تنقية الهواء

دراسة: مرشحات هيبا تُحسّن الوظيفة التنفيذية للدماغ بنسبة 12% في شهر واحد فقط

تجربة سريرية أمريكية تُثبت أن استخدام أجهزة تنقية الهواء بمرشح هيبا في المنزل لمدة شهر واحد يُحسّن أداء الدماغ لدى البالغين فوق الأربعين بنسبة 12%، مما يكشف أثر تلوث الهواء على الوظائف المعرفية.

ScienceDaily
تصور فني للشذوذ الحراري في الوشاح الداخلي للمريخ يُظهر الجزء الجنوبي الأشد سخونة

علماء يكشفون شذوذاً حرارياً ضخماً في أعماق المريخ يفوق بمئات الدرجات توقعاتنا

باحثو كالتك يكشفون أن الجزء الجنوبي من باطن المريخ أشد حرارةً بمئات الدرجات من الشمال وقد يكون منصهراً جزئياً، وهو ما يفسر لغز المغناطيسية والزلازل المريخية.

ScienceDaily
الحاسوب الكمي IBM Q System One في معرض لاس فيغاس 2019

الحاسوب الكمي لشركة IBM يحل مسألة تعجز عنها الحواسيب الكلاسيكية في 15 دقيقة

حقق باحثو IBM وجامعة شيكاغو إنجازاً تاريخياً في الحوسبة الكمية باستخدام 70 كيوبتاً منطقياً مصحَّح الأخطاء، إذ أتموا عملية حسابية معقدة في ربع ساعة فقط.

ScienceDaily
نهر جليدي صخري في المرتفعات الأمريكية

باحثون يكتشفون خزاناً جليدياً ضخماً مختبئاً في باطن جبال ولاية يوتا الأمريكية

استخدم فريق بحثي قياسات الجاذبية لرسم خريطة ثلاثية الأبعاد لنهر جليدي صخري مدفون تحت جبل تيمبانوغوس في يوتا، تبيّن أنه يحوي ما يكفي لملء 600 مسبح أولمبي.

ScienceDaily
اللب الخارجي للأرض ينعكس اتجاهه فجأة تحت المحيط الهادئ في ظاهرة غامضة — ألمعي