علماء يكتشفون أقرب نجم إلى الثقب الأسود في مركز مجرة درب التبانة

رصد علماء فلك نجماً يندفع بسرعة تبلغ 8% من سرعة الضوء في مدار ضيّق للغاية حول الثقب الأسود الهائل في مركز مجرتنا، مما يُتيح قياس دورانه وفتح نافذة فريدة على فيزياء الجاذبية المتطرفة.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٣٠ أغسطس ٢٠٢٦
المصدر
Ars Technica
القراءات
٠
الوقت
قراءة دقيقتين
صورة فلكية لمنطقة مركز مجرة درب التبانة والثقب الأسود القوس A*

حطّم علماء الفلك حاجزاً معرفياً جديداً، إذ نجحوا في رصد نجم غير مسبوق القرب من الثقب الأسود الهائل المعروف بـ"القوس A*" (Sagittarius A*) الكامن في مركز مجرتنا درب التبانة. ويُمثّل هذا الاكتشاف الذي نشرته مجلة Ars Technica أهمية فيزيائية استثنائية تتخطى كونه رقماً فلكياً جديداً.

يتحرك النجم المُرصَد بسرعة مذهلة تبلغ 8% من سرعة الضوء، أي ما يُعادل نحو 24 ألف كيلومتر في الثانية الواحدة. وفي عالم علم الفلك، تُعدّ هذه الأرقام كاشفة بذاتها: كلما اقترب جسم من الثقب الأسود واكتسب سرعة أعلى، كان ذلك دليلاً على عمق الميدان الجاذبي الذي يتحرك داخله.

يُعرَّف الثقب الأسود على نطاق واسع بأنه منطقة من الفضاء ذات جاذبية مفرطة لا يستطيع حتى الضوء الإفلات منها، وتتشكّل عادةً من انهيار النجوم الضخمة. أما "القوس A*" فهو ثقب أسود فائق الكتلة، يبلغ وزنه نحو أربعة ملايين مرة وزن شمسنا، ويقع على بُعد 26 ألف سنة ضوئية تقريباً من الأرض في مركز مجرتنا.

ما يجعل النجم الجديد المكتشف ذا قيمة علمية استثنائية هو إمكانية توظيفه كأداة قياس طبيعية لخاصية فيزيائية بالغة الأهمية: دوران الثقب الأسود حول محوره. فوفقاً لنظرية النسبية العامة لأينشتاين، يُشوِّه الثقب الأسود الدوّار نسيج الزمكان حوله بطريقة تُثّر عليها مدارات الأجسام القريبة منه، وهو ما يُعرف بتأثير "انجرار الإطار".

برصد التغييرات الدقيقة في مسار هذا النجم بمرور الوقت، يمكن استنتاج دوران الثقب الأسود ومعدله. وتُعدّ هذه المعلومات أساسية لفهم كيفية تشكّل الثقوب السود ونموّها على مدار المليارات من السنين، وكيف تُشكّل المجرات من حولها.

على الصعيد التقني، يواجه رصد النجوم القريبة من الثقوب السود تحديات جسيمة. فالمنطقة المحيطة بـ"القوس A*" مكتنزة بالغاز والغبار الكوني الذي يحجب الرؤية في الأطوال الموجية البصرية، مما يستلزم استخدام تلسكوبات تعمل في نطاق الأشعة تحت الحمراء والأشعة السينية. وقد أتاح ارتقاء القدرات التصويرية لتلسكوب جيمس ويب الفضائي إلى جانب شبكات التلسكوب الراديوي المتداخل الفرصة لاكتشافات من هذا المستوى.

لا يمر مثل هذا الاكتشاف دون أن يستحضر أحد أبرز إنجازات الفيزياء الفلكية في القرن الحادي والعشرين: الصورة الأولى لظل الثقب الأسود التي نشرتها مبادرة التلسكوب عبر الأفق (EHT) عام 2019، ومن ثم الصورة الأولى لـ"القوس A*" نفسه عام 2022. وقد ذهبت جائزة نوبل للفيزياء عام 2020 إلى ثلاثة علماء كان لأبحاثهم دور حاسم في التحقق التجريبي من وجود الثقب الأسود في مركز مجرتنا.

يتردد صدى هذا الاكتشاف الكوني في المشهد العلمي العربي المتنامي. فالإمارات العربية المتحدة التي أطلقت مسبار الأمل إلى المريخ عام 2021، وهيئة الفضاء السعودية التي تضخ استثمارات متصاعدة في العلوم الفضائية، باتتا جزءاً من مجتمع الاستكشاف الكوني الدولي. وتعمل مراكز بحثية عربية في الفيزياء الفلكية على بناء شراكات مع المنظومة العلمية العالمية، وفي هذا السياق يُقدّم رصد النجوم القريبة من الثقوب السود نموذجاً للأبحاث الدقيقة التي يمكن أن يُسهم فيها العلماء العرب على الصعيد الدولي.

يُفتح هذا الاكتشاف الجديد آفاقاً واعدة: فكلما تعمّق العلماء في دراسة النجوم القريبة من مراكز المجرات، تعمّقت معرفتنا بقوانين الجاذبية في بيئات متطرفة لا يمكن محاكاتها في أي مختبر أرضي. وهو درسٌ يُعيد التأكيد على أن الكون ذاته هو المختبر الأعظم.

المصدر الأصلي
Ars Technica
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من علوم

تصور فني لتوسع الكون وتأثير الطاقة المظلمة على انتشار المجرات في الفضاء

دراسة دولية كبرى تؤكد: الكون لا يزال يتسارع في تمدده والطاقة المظلمة باقية

فريق بحثي دولي بقيادة جامعة ساوثهامبتون يدحض الادعاءات الأخيرة بتباطؤ تمدد الكون، مؤكداً بتحليل دقيق للمستعرات العظمى أن الطاقة المظلمة تواصل دفع الكون نحو التسارع الكوني.

ScienceDaily
نهر ثواتس الجليدي في القارة القطبية الجنوبية كما يبدو من طائرة بحثية في مشروع IceBridge

مئات الزلازل الخفية اكتُشفت قرب نهر ثواتس الجليدي وتُهدد برفع البحار ثلاثة أمتار

رصد علماء أستراليون 245 زلزالاً جليدياً مخفياً بالقرب من نهر القيامة الجليدي بأنتاركتيكا بين 2010 و2023، وهي إشارات تُحذر من تسارع وتيرة ذوبانه وعواقبه الكارثية على مستويات البحار عالمياً.

ScienceDaily
تصور فني لدماغ بشري مضيء يرمز لتحسن الوظائف المعرفية جراء تنقية الهواء

دراسة: مرشحات هيبا تُحسّن الوظيفة التنفيذية للدماغ بنسبة 12% في شهر واحد فقط

تجربة سريرية أمريكية تُثبت أن استخدام أجهزة تنقية الهواء بمرشح هيبا في المنزل لمدة شهر واحد يُحسّن أداء الدماغ لدى البالغين فوق الأربعين بنسبة 12%، مما يكشف أثر تلوث الهواء على الوظائف المعرفية.

ScienceDaily
تصور فني للشذوذ الحراري في الوشاح الداخلي للمريخ يُظهر الجزء الجنوبي الأشد سخونة

علماء يكشفون شذوذاً حرارياً ضخماً في أعماق المريخ يفوق بمئات الدرجات توقعاتنا

باحثو كالتك يكشفون أن الجزء الجنوبي من باطن المريخ أشد حرارةً بمئات الدرجات من الشمال وقد يكون منصهراً جزئياً، وهو ما يفسر لغز المغناطيسية والزلازل المريخية.

ScienceDaily
الحاسوب الكمي IBM Q System One في معرض لاس فيغاس 2019

الحاسوب الكمي لشركة IBM يحل مسألة تعجز عنها الحواسيب الكلاسيكية في 15 دقيقة

حقق باحثو IBM وجامعة شيكاغو إنجازاً تاريخياً في الحوسبة الكمية باستخدام 70 كيوبتاً منطقياً مصحَّح الأخطاء، إذ أتموا عملية حسابية معقدة في ربع ساعة فقط.

ScienceDaily
نهر جليدي صخري في المرتفعات الأمريكية

باحثون يكتشفون خزاناً جليدياً ضخماً مختبئاً في باطن جبال ولاية يوتا الأمريكية

استخدم فريق بحثي قياسات الجاذبية لرسم خريطة ثلاثية الأبعاد لنهر جليدي صخري مدفون تحت جبل تيمبانوغوس في يوتا، تبيّن أنه يحوي ما يكفي لملء 600 مسبح أولمبي.

ScienceDaily
علماء يكتشفون أقرب نجم إلى الثقب الأسود في مركز مجرة درب التبانة — ألمعي