فيتامين ج الوريدي يُربك الخلايا السرطانية بآلية لم يفهمها بولينغ

تُظهر أبحاث حديثة أن فيتامين ج الوريدي يُولِّد بيروكسيد الهيدروجين داخل الخلايا الورمية بما يُتيح تأثيراً مشابهاً للعلاج الكيميائي الانتقائي، مع تحسين جودة الحياة لمرضى السرطان، فيما تبقى التجارب العشوائية الضابطة الكبرى مطلوبةً لتأكيد النتائج.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٨ أغسطس ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily
القراءات
١
الوقت
قراءة 3 دقائق
قارورة تحتوي على محلول فيتامين ج الوريدي متصلة بأنبوب حقن طبي

في منتصف القرن الماضي، روّج العالِم لينوس بولينغ الحائز على جائزتَي نوبل لفيتامين ج بوصفه علاجاً واعداً للسرطان، غير أن التجارب السريرية التي اختبرت الأقراص الفموية أحبطت آماله وأسقطت نظريته من نظر الأوساط العلمية. اليوم، في أغسطس 2026، تُعيد أبحاث حديثة نشرها أستاذ العلوم الطبية الحيوية جاستن ستيبينغ من جامعة أنجليا روسكين البريطانية الاعتبارَ لجوهر تلك الفكرة، مع تصحيح الفهم الكامن وراءها: فالمادة ذاتها قد تُربك الخلايا السرطانية، ولكن عبر آلية بيوكيميائية لم يُدرك بولينغ نفسه كنهها.

الفارق الجوهري يكمن في طريقة الإعطاء. فحين يُبتلع فيتامين ج في صورة أقراص، تحدّ الأمعاء من امتصاصه وتُبقي مستوياته في الدم منخفضةً نسبياً. أما حين يُحقَن فيتامين ج الوريدي مباشرةً في مجرى الدم، فيمكن الوصول إلى تركيزات أعلى عشرات أو مئات المرات مما تُتيحه الأقراص. وعند هذه التركيزات المرتفعة الاستثنائية، وهي ما يُعرَّف بالجرعة الدوائية العلاجية، يتحوّل السلوك البيوكيميائي للمادة تحولاً جذرياً.

في ظروف الجسم الطبيعية يعمل فيتامين ج مضاداً للأكسدة يحمي الخلايا من الضرر. لكن بتركيزات مرتفعة جداً، ينقلب هذا الدور رأساً على عقب: يُحفِّز الفيتامين داخل الخلايا الورمية إنتاجَ بيروكسيد الهيدروجين، وهو مركب مؤكسِد عالي النشاط ينتمي إلى ما يُعرَّف بأنواع الأكسجين التفاعلية. ويُولِّد هذا المركب الإجهادَ التأكسدي داخل الخلايا السرطانية، مما يُلحق ضرراً بالغاً بحمضها النووي وبروتيناتها الحيوية.

لكن لماذا تتضرر الخلايا السرطانية دون الخلايا السليمة؟ الجواب يكمن في الطبيعة الهشة أصلاً للخلايا الورمية؛ فهي تعاني بالفعل من إجهاد تأكسدي مرتفع بسبب تكاثرها الحثيث وضعف إمدادها الدموي، فضلاً عن قصور في منظوماتها الدفاعية. وهذا يجعلها أكثر عرضةً للضرر حين يُضاف إليها مزيد من الأكسدة، بينما تمتلك الخلايا السليمة دفاعات أكثر قدرةً على تحييد هذا الحمل الإضافي. ويصف الباحثون هذه الآلية بأنها تُشبه العلاج الكيميائي الانتقائي الضعيف، لا مجرد مكمل غذائي.

على صعيد الأدلة الإكلينيكية، لا تزال التجارب السريرية على البشر محدودة النطاق وإن كانت واعدة. شملت هذه التجارب مرضى يعانون من سرطانات عسيرة على العلاج كسرطان المبيض والبنكرياس والدماغ، وأثبت فيتامين ج الوريدي تحملاً جيداً مع آثار جانبية أقل حدةً مما كان متوقعاً. وحين دُمج مع العلاج الكيميائي في بعض الدراسات، أظهرت النتائج تحسناً نسبياً في معدلات البقاء أو تخفيفاً لأعراض العلاج، وإن تفاوتت النتائج من دراسة إلى أخرى.

ثمة نتيجة يتقاطع في توثيقها معظم الباحثين وتكاد تكون ثابتة: تحسّن ملموس في جودة الحياة. فالمرضى الذين يتلقون فيتامين ج الوريدي إلى جانب العلاج الكيميائي كثيراً ما يُفيدون بتراجع الإرهاق والألم والغثيان. وهذا التحسن وحده، بمعزل عن أي تأثير مضاد للسرطان، يمنح فيتامين ج الوريدي مكانةً تستحق البحث المعمّق.

وتشير الأبحاث المختبرية إلى أبعاد إضافية للآلية؛ إذ يؤثر فيتامين ج على إنزيمات تتحكم في تعديل الحمض النووي وتنظيم انقسام الخلايا، وهي عمليات محورية في سلوك السرطان. وتكشف بعض التجارب المعملية أن تركيزات عالية من الفيتامين تُقلِّص عدوانية الخلايا الورمية وتزيد حساسيتها للعلاجات الأخرى.

يمتلك هذا البحث قيمة عملية مباشرة في الواقع الصحي العربي؛ إذ تُشير إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى ارتفاع معدلات الإصابة بأمراض السرطان في دول الخليج مع توقعات بتضاعف العبء الورمي بحلول 2035. وتتوسّع مراكز علاج السرطان الكبرى كالمركز الوطني للأورام في الرياض ومستشفى كليفلاند كلينك أبوظبي في تقديم بروتوكولات تكاملية. كما يتنامى الإقبال على فيتامين ج الوريدي في عيادات تعزيز المناعة المنتشرة في الإمارات والسعودية، مما يجعل التأسيس العلمي الصلب لهذه التقنية ذا أثر مباشر على ممارسات الرعاية الأورامية في المنطقة.

كان بولينغ محقاً في جوهر حدسه ومخطئاً في تفاصيل فهمه. فقد أدرك أن الحقن الوريدي يختلف جوهرياً عن الأقراص، لكنه أسرف في ترويج فيتامين ج علاجاً شاملاً بصرف النظر عن طريقة الإعطاء والجرعة. أما اليوم، فيتمتع الباحثون بأدوات أدق لفهم الآلية الحقيقية، غير أن التجارب العشوائية الضابطة الكبرى الكفيلة بإثبات الفاعلية بشكل قاطع لا تزال مطلوبة. ويُشير ستيبينغ إلى أن الأدلة الراهنة تبرر مواصلة البحث ضمن البيئات الإكلينيكية الخاضعة للرقابة، لكنها لا تُسوِّغ الركون إلى عيادات تعزيز المناعة التجارية المنتشرة. وتبقى قصة فيتامين ج نموذجاً معبِّراً لكيفية تقدم العلم: بفرضيات جريئة، وإخفاقات مؤلمة، ثم إعادة تقييم دقيقة تُفضي إلى فهم أعمق وأكثر دقةً.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من صحة

تصور فني لتوسع الكون وتأثير الطاقة المظلمة على انتشار المجرات في الفضاء

دراسة دولية كبرى تؤكد: الكون لا يزال يتسارع في تمدده والطاقة المظلمة باقية

فريق بحثي دولي بقيادة جامعة ساوثهامبتون يدحض الادعاءات الأخيرة بتباطؤ تمدد الكون، مؤكداً بتحليل دقيق للمستعرات العظمى أن الطاقة المظلمة تواصل دفع الكون نحو التسارع الكوني.

ScienceDaily
نهر ثواتس الجليدي في القارة القطبية الجنوبية كما يبدو من طائرة بحثية في مشروع IceBridge

مئات الزلازل الخفية اكتُشفت قرب نهر ثواتس الجليدي وتُهدد برفع البحار ثلاثة أمتار

رصد علماء أستراليون 245 زلزالاً جليدياً مخفياً بالقرب من نهر القيامة الجليدي بأنتاركتيكا بين 2010 و2023، وهي إشارات تُحذر من تسارع وتيرة ذوبانه وعواقبه الكارثية على مستويات البحار عالمياً.

ScienceDaily
تصور فني لدماغ بشري مضيء يرمز لتحسن الوظائف المعرفية جراء تنقية الهواء

دراسة: مرشحات هيبا تُحسّن الوظيفة التنفيذية للدماغ بنسبة 12% في شهر واحد فقط

تجربة سريرية أمريكية تُثبت أن استخدام أجهزة تنقية الهواء بمرشح هيبا في المنزل لمدة شهر واحد يُحسّن أداء الدماغ لدى البالغين فوق الأربعين بنسبة 12%، مما يكشف أثر تلوث الهواء على الوظائف المعرفية.

ScienceDaily
رسم توضيحي لمراحل علاج الخلايا التائية بمستقبل المستضد الخيمري المُستخدَم في علاج السرطان والأمراض المناعية

علاج سرطاني يُدخل التهاب المفاصل الروماتويدي الحاد في مرحلة الهدأة التامة

نجح علاج الخلايا التائية بمستقبل المستضد الخيمري في تحقيق هدأة كاملة لدى ثلاثة من ستة مرضى يعانون من التهاب مفاصل روماتويدي حاد مقاوم للعلاج، وفق دراسة من مستشفى شاريتيه ببرلين.

ScienceDaily
تصور فني للشذوذ الحراري في الوشاح الداخلي للمريخ يُظهر الجزء الجنوبي الأشد سخونة

علماء يكشفون شذوذاً حرارياً ضخماً في أعماق المريخ يفوق بمئات الدرجات توقعاتنا

باحثو كالتك يكشفون أن الجزء الجنوبي من باطن المريخ أشد حرارةً بمئات الدرجات من الشمال وقد يكون منصهراً جزئياً، وهو ما يفسر لغز المغناطيسية والزلازل المريخية.

ScienceDaily
الحاسوب الكمي IBM Q System One في معرض لاس فيغاس 2019

الحاسوب الكمي لشركة IBM يحل مسألة تعجز عنها الحواسيب الكلاسيكية في 15 دقيقة

حقق باحثو IBM وجامعة شيكاغو إنجازاً تاريخياً في الحوسبة الكمية باستخدام 70 كيوبتاً منطقياً مصحَّح الأخطاء، إذ أتموا عملية حسابية معقدة في ربع ساعة فقط.

ScienceDaily