هرمون التوتر يُساعد الدماغ على إصلاح الميالين بعد الإصابة

اكتشف علماء معهد ماكس بلانك أن خلايا دماغية سلفية تُفرز هرمون إطلاق الكورتيكوتروبين بعد الإصابة لتنظيم إصلاح الميالين، مما يفتح آفاقًا جديدة لعلاج التصلب المتعدد وأمراض الدماغ.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٥ أغسطس ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily
القراءات
٣
الوقت
قراءة 3 دقائق
خلايا تُصلح الميالين في الدماغ بعد الإصابة

كشف علماء من معهد ماكس بلانك للطب النفسي في ميونيخ عن دور جديد ومفاجئ لأحد هرمونات الإجهاد في عمليات إصلاح الدماغ. فقد وجدوا أن نوعًا متخصصًا من خلايا الدماغ يُفرز هرمون إطلاق الكورتيكوتروبين (CRH) مباشرةً في أعقاب الإصابة، ويوظّفه أداةً حيوية لتنظيم الاستجابة الترميمية الداخلية للأنسجة العصبية. نُشرت هذه النتائج في مجلة "سيل ريبورتس"، وتُلقي ضوءًا جديدًا على آليات إصلاح الميالين في الجهاز العصبي المركزي، فاتحةً آفاقًا علاجية واعدة لأمراض كالتصلب المتعدد وسواه من الأمراض التنكسية العصبية.

الخلايا التي تقف وراء هذا الاكتشاف هي ما يُعرف بالخلايا السلفية للخلايا قليلة التغصن (OPCs)، وهي خلايا تشبه الجذعية في قدرتها على النضج والتحوّل إلى خلايا قليلة التغصن الكاملة المسؤولة عن إنتاج الميالين. الميالين هو الغمد العازل الذي يُحيط بمحاور الخلايا العصبية ويُسرّع انتقال الإشارات الكهربائية بين مناطق الدماغ المختلفة. ويشكّل تلف هذا الغمد النقطة المحورية في عدد من الأمراض العصبية التنكسية الخطيرة التي تُعاني منها ملايين البشر حول العالم.

رصد الباحثون نمطًا زمنيًا دقيقًا في إفراز هرمون CRH بعد الإصابة: يبدأ الإفراز في غضون ساعات من حدوث الجرح، ويبلغ ذروته خلال اليومين الأولين، ثم يتوقف تلقائيًا بعد نحو ثلاثة أيام. هذه الديناميكية الزمنية المُنضبطة تُشير إلى أن إفراز الهرمون جزء من منظومة بيولوجية متناسقة ومُصمَّمة بدقة، لا مجرد استجابة عشوائية لحدث الإصابة. وهذا الطابع المؤقت المُتحكَّم به يجعل الهرمون مرشحًا مثيرًا للاهتمام بوصفه هدفًا علاجيًا محتملًا في المستقبل.

المستقبل الذي يُلتقط عبره الهرمون هو CRHR1، أي مستقبل هرمون إطلاق الكورتيكوتروبين من النوع الأول، الموجود على سطح الخلايا السلفية ذاتها. وقد أجرى الباحثون تجارب على خلايا تفتقر إلى هذا المستقبل، فلاحظوا أن هذه الخلايا تتكاثر بصورة أسرع في مرحلة أولى، إلا أن أعدادًا أقل منها تصل إلى مرحلة النضج الكامل وتتحوّل إلى خلايا قادرة على إنتاج الميالين بكفاءة. وهذا يُثبت أن الهرمون يُوازن بدقة بين دفع الخلايا نحو التكاثر السريع ومنحها الوقت الكافي للنضج السليم، وهو ميزان بالغ الدقة لا يمكن إغفاله.

يُكتسب هذا الاكتشاف ثقلًا عمليًا خاصًا في ضوء مرض التصلب المتعدد، حيث يُهاجم جهاز المناعة غمد الميالين المحيط بالأعصاب ويُفسده تدريجيًا، مما يُعطّل انتقال الإشارات العصبية ويُفضي إلى أعراض متعددة تتراوح بين التعب والشلل وإعاقة الرؤية. وفهم الآليات التي تحكم إصلاح الميالين في الدماغ السليم يُمكن أن يُلهم تصميم علاجات تُحفّز هذه العملية الترميمية الذاتية في الدماغ المصاب، ربما عبر استهداف مسار هرمون CRH أو تحفيز مستقبله CRHR1 بطريقة منضبطة.

يمتد أثر هذا الاكتشاف ليطرح تساؤلات جديدة في مجال الصحة النفسية أيضًا. فالإجهاد النفسي في مرحلة الطفولة المبكرة معروف منذ أمد بعيد بوصفه عاملًا خطرًا يزيد من احتمال الإصابة بالاضطرابات النفسية كالاكتئاب والقلق في مراحل لاحقة من الحياة. وقد يكون نظام هرمون CRH في الخلايا السلفية جزءًا من التفسير البيولوجي لهذه العلاقة؛ إذ يُمكن أن يُؤثر تنشيط هذا الهرمون خلال مرحلة النمو الدماغي على بنية الميالين وتوزّعه بصورة تمتد آثارها عقودًا. كما أن الكورتيزول المرتبط بتفعيل محور الإجهاد الذي يُطلقه CRH يمتلك تأثيرات عصبية واسعة تستدعي إعادة دراستها في هذا السياق الجديد.

يُجسّد هذا البحث نموذجًا مُلهمًا لكيفية اكتشاف وظائف غير متوقعة لمواد بيولوجية كانت تبدو معروفة الأدوار ظاهريًا. فهرمون CRH كان يُعرَّف تقليديًا باعتباره جزءًا من محور الإجهاد الهرموني الذي يُحفّز إفراز الكورتيزول في الدم استجابةً للضغوط. أما اليوم فيتبيّن أنه يؤدي دورًا موازيًا في قلب الدماغ ذاته، ينظّم به إصلاح الميالين ويُسهم في ضبط وتيرة نضج الخلايا العصبية، مما يُوسّع فهمنا لهذا الهرمون توسيعًا جوهريًا.

يكتسب هذا البحث أهميةً استثنائية في السياق الصحي للعالم العربي، إذ تُشير إحصاءات عدة إلى ارتفاع نسبي في حالات التصلب المتعدد في دول المشرق العربي كالأردن ولبنان والكويت. وتستثمر دول الخليج بشكل متصاعد في مراكز أمراض الجهاز العصبي؛ إذ تُدار برامج علاجية متخصصة في مستشفيات كمستشفى الشيخ خليفة الطبي في أبوظبي ومدينة الملك عبدالعزيز الطبية في الرياض. واكتشاف دور هرمون CRH في إصلاح الميالين قد يُفضي مستقبلاً إلى بروتوكولات علاجية أكثر فعاليةً وأقل تكلفةً من الأدوية البيولوجية الحالية المُكلفة التي تستنزف ميزانيات الصحة في الدول العربية ذات الدخل المتوسط، فضلاً عن كونها صعبة التخزين والتوزيع في المناطق الأقل نمواً.

يعتزم الفريق البحثي مواصلة هذا الخط من التحقيق، من خلال دراسة ما إذا كان التدخل في مسار هرمون CRH يمكن أن يُعزّز إصلاح الميالين في نماذج حيوانية لأمراض عصبية مختلفة. وإذا ما تأكدت هذه الإمكانية، فإن المستقبل المنظور قد يشهد تطوير أدوية تستهدف المستقبل CRHR1 في الخلايا السلفية بهدف تحفيز العملية الترميمية الذاتية للدماغ في التوقيت الملائم وبالجرعة الدقيقة.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من صحة

تصور فني لتوسع الكون وتأثير الطاقة المظلمة على انتشار المجرات في الفضاء

دراسة دولية كبرى تؤكد: الكون لا يزال يتسارع في تمدده والطاقة المظلمة باقية

فريق بحثي دولي بقيادة جامعة ساوثهامبتون يدحض الادعاءات الأخيرة بتباطؤ تمدد الكون، مؤكداً بتحليل دقيق للمستعرات العظمى أن الطاقة المظلمة تواصل دفع الكون نحو التسارع الكوني.

ScienceDaily
نهر ثواتس الجليدي في القارة القطبية الجنوبية كما يبدو من طائرة بحثية في مشروع IceBridge

مئات الزلازل الخفية اكتُشفت قرب نهر ثواتس الجليدي وتُهدد برفع البحار ثلاثة أمتار

رصد علماء أستراليون 245 زلزالاً جليدياً مخفياً بالقرب من نهر القيامة الجليدي بأنتاركتيكا بين 2010 و2023، وهي إشارات تُحذر من تسارع وتيرة ذوبانه وعواقبه الكارثية على مستويات البحار عالمياً.

ScienceDaily
تصور فني لدماغ بشري مضيء يرمز لتحسن الوظائف المعرفية جراء تنقية الهواء

دراسة: مرشحات هيبا تُحسّن الوظيفة التنفيذية للدماغ بنسبة 12% في شهر واحد فقط

تجربة سريرية أمريكية تُثبت أن استخدام أجهزة تنقية الهواء بمرشح هيبا في المنزل لمدة شهر واحد يُحسّن أداء الدماغ لدى البالغين فوق الأربعين بنسبة 12%، مما يكشف أثر تلوث الهواء على الوظائف المعرفية.

ScienceDaily
رسم توضيحي لمراحل علاج الخلايا التائية بمستقبل المستضد الخيمري المُستخدَم في علاج السرطان والأمراض المناعية

علاج سرطاني يُدخل التهاب المفاصل الروماتويدي الحاد في مرحلة الهدأة التامة

نجح علاج الخلايا التائية بمستقبل المستضد الخيمري في تحقيق هدأة كاملة لدى ثلاثة من ستة مرضى يعانون من التهاب مفاصل روماتويدي حاد مقاوم للعلاج، وفق دراسة من مستشفى شاريتيه ببرلين.

ScienceDaily
تصور فني للشذوذ الحراري في الوشاح الداخلي للمريخ يُظهر الجزء الجنوبي الأشد سخونة

علماء يكشفون شذوذاً حرارياً ضخماً في أعماق المريخ يفوق بمئات الدرجات توقعاتنا

باحثو كالتك يكشفون أن الجزء الجنوبي من باطن المريخ أشد حرارةً بمئات الدرجات من الشمال وقد يكون منصهراً جزئياً، وهو ما يفسر لغز المغناطيسية والزلازل المريخية.

ScienceDaily
الحاسوب الكمي IBM Q System One في معرض لاس فيغاس 2019

الحاسوب الكمي لشركة IBM يحل مسألة تعجز عنها الحواسيب الكلاسيكية في 15 دقيقة

حقق باحثو IBM وجامعة شيكاغو إنجازاً تاريخياً في الحوسبة الكمية باستخدام 70 كيوبتاً منطقياً مصحَّح الأخطاء، إذ أتموا عملية حسابية معقدة في ربع ساعة فقط.

ScienceDaily