مفتاح استعمار المريخ في الكويكبات: دراسة من EPFL تكشف جدوى التعدين الفضائي
كشفت دراسة حديثة من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا أن تعدين الكويكبات الغنية بالمعادن يمكن أن يوفر المواد الأولية اللازمة لبناء مستوطنات على المريخ، مع إمكانية إنتاج وقود الصاروخ من الكويكبات الكربونية في الفضاء مباشرةً.

لطالما كان استعمار المريخ حلماً بشرياً راسخاً، غير أن التحدي الأكبر لم يكن يوماً التكنولوجيا بل اللوجستيات: كيف نؤمّن المواد الخام الضرورية لبناء مستوطنة دائمة على بعد ملايين الكيلومترات من الأرض؟ دراسة جديدة نشرها باحثون من المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا EPFL في أغسطس 2026 تقدّم إجابة مبتكرة: ربما يكمن الحل في تعدين الكويكبات التي تجوب أرجاء المجموعة الشمسية.
توصّل الباحثون إلى أن الكويكبات الغنية بالمعادن يمكن أن تتحوّل إلى مستودعات إمداد متنقلة تزوّد المستوطنات المريخية المستقبلية بما تحتاجه من مواد بنائية، في مقدّمتها الحديد والنيكل والألمنيوم، دون الحاجة إلى شحنها من الأرض بتكاليف باهظة تُقدَّر بعشرات الملايين من الجنيهات الإسترلينية لكل رحلة.
يتجاوز بناء مستوطنة على المريخ حدود توفير الغذاء والهواء والماء؛ فهي تستلزم كميات ضخمة من المعادن لإقامة الهياكل الإنشائية وخطوط الأنابيب وأنظمة الطاقة وأدوات الإصلاح. إرسال هذه المعادن من الأرض ليس خياراً عملياً، إذ تستغرق الرحلة إلى المريخ ما بين ستة وتسعة أشهر، فضلاً عن كلفة الإطلاق الفلكية. هنا تبرز قيمة الموارد الفضائية المتاحة في الكويكبات المعدنية التي تتألف في معظمها من الحديد والنيكل.
اعتمد فريق EPFL على نماذج حاسوبية اختبرت آلاف تركيبات شبكات الإمداد الفضائية، محلّلةً متطلبات الطاقة اللازمة للتنقل بين المدارات استناداً إلى ميكانيكا المدارات، وكميات المعادن القابلة للاستخراج، وأحجام وقود الصاروخ المطلوبة في كل مرحلة. وتوصّل الباحثون إلى قائمة بكويكبات محددة يمكن الوصول إليها باستخدام المركبات الفضائية الحالية، حيث تبرر متطلبات الطاقة المنخفضة نسبياً جدوى عمليات التعدين والتوصيل.
بيد أن الدراسة تُحذّر من أن اختيار الكويكب الخطأ قد يعني استهلاك وقود يفوق قيمة المعادن المستخرجة، مما يجعل الاختيار الدقيق للأهداف عاملاً حاسماً في نجاح أي مهمة تعدين فضائي.
ربما يكمن الابتكار الأهم في الدراسة في إمكانية الاستفادة من الكويكبات الكربونية، وهي نوع يحتوي على كميات وفيرة من المواد المتطايرة، أبرزها الجليد المائي. بتحليل هذا الجليد كهربائياً يمكن الحصول على الهيدروجين والأكسجين لاستخدامهما وقوداً للصاروخ في الفضاء، وهو ما يُعرف بالاستثمار الموضعي للموارد. هذا يعني أن المركبات الفضائية المنخرطة في عمليات التعدين يمكنها أن تتزوّد بالوقود مباشرةً من الكويكبات الكربونية بدلاً من حمل كميات ضخمة منه من الأرض، مما يرفع كفاءة البعثة رفعاً جوهرياً.
ليست كل الكويكبات في متناول المركبات الفضائية الحالية بالتساوي؛ بعضها يتطلب تسارعات هائلة للوصول إليه، في حين يمكن الوصول إلى بعضها الآخر بتكاليف طاقة معقولة بفضل مداراتها الملائمة. وتُظهر النتائج أن ثمة نافذة من الكويكبات القابلة للوصول تتميز بانخفاض متطلبات طاقة الانتقال، مما يجعل تعدين الكويكبات خطوة قابلة للتنفيذ بالتكنولوجيا الراهنة.
يُدرك الباحثون أن منظومة متكاملة لتعدين الكويكبات وإمداد المريخ لا تزال تحتاج عقوداً من التطوير التقني والاستثمار الضخم. غير أن القيمة الجوهرية للدراسة تكمن في إثبات الجدوى النظرية: إذا نجحنا في تطوير المركبات المناسبة وتقنيات التعدين الفضائي، فإن الموارد الفضائية المتوفرة في الكويكبات كافية نظرياً لدعم مشاريع استعمار المريخ.
تحمل نتائج هذا البحث دلالةً مباشرة لطموحات المنطقة العربية في الفضاء؛ فالإمارات أطلقت مسبار الأمل إلى المريخ عام 2021 وأعلنت مشروعها التأسيسي لإقامة مستوطنة مريخية بحلول 2117، بينما تُطوّر هيئة الفضاء السعودية قدراتها في المهمات الفضائية العميقة. وكل من هذه الأهداف يظل في نهاية المطاف مشروطاً بحل إشكالية الإمداد بالموارد في الفضاء البعيد، وهي الإشكالية التي تعالجها دراسة EPFL بمنهجية حاسوبية دقيقة. وإذا نُفِّذت استراتيجية تعدين الكويكبات مستقبلاً، فستكون الدول الشريكة في برامجها الفضائية كالإمارات والسعودية معنيّةً مباشرة بثمارها.
يُمثّل هذا البحث خطوة علمية مهمة في تحويل رؤية استعمار المريخ من حلم أدبي إلى مشروع هندسي محسوب، حيث تتحوّل الكويكبات التي طالما نُظر إليها باعتبارها تهديداً محتملاً إلى حلفاء استراتيجيين في مسيرة الإنسانية نحو الكواكب البعيدة.
المزيد من علوم

دراسة دولية كبرى تؤكد: الكون لا يزال يتسارع في تمدده والطاقة المظلمة باقية
فريق بحثي دولي بقيادة جامعة ساوثهامبتون يدحض الادعاءات الأخيرة بتباطؤ تمدد الكون، مؤكداً بتحليل دقيق للمستعرات العظمى أن الطاقة المظلمة تواصل دفع الكون نحو التسارع الكوني.
مئات الزلازل الخفية اكتُشفت قرب نهر ثواتس الجليدي وتُهدد برفع البحار ثلاثة أمتار
رصد علماء أستراليون 245 زلزالاً جليدياً مخفياً بالقرب من نهر القيامة الجليدي بأنتاركتيكا بين 2010 و2023، وهي إشارات تُحذر من تسارع وتيرة ذوبانه وعواقبه الكارثية على مستويات البحار عالمياً.

دراسة: مرشحات هيبا تُحسّن الوظيفة التنفيذية للدماغ بنسبة 12% في شهر واحد فقط
تجربة سريرية أمريكية تُثبت أن استخدام أجهزة تنقية الهواء بمرشح هيبا في المنزل لمدة شهر واحد يُحسّن أداء الدماغ لدى البالغين فوق الأربعين بنسبة 12%، مما يكشف أثر تلوث الهواء على الوظائف المعرفية.

علماء يكشفون شذوذاً حرارياً ضخماً في أعماق المريخ يفوق بمئات الدرجات توقعاتنا
باحثو كالتك يكشفون أن الجزء الجنوبي من باطن المريخ أشد حرارةً بمئات الدرجات من الشمال وقد يكون منصهراً جزئياً، وهو ما يفسر لغز المغناطيسية والزلازل المريخية.
الحاسوب الكمي لشركة IBM يحل مسألة تعجز عنها الحواسيب الكلاسيكية في 15 دقيقة
حقق باحثو IBM وجامعة شيكاغو إنجازاً تاريخياً في الحوسبة الكمية باستخدام 70 كيوبتاً منطقياً مصحَّح الأخطاء، إذ أتموا عملية حسابية معقدة في ربع ساعة فقط.

باحثون يكتشفون خزاناً جليدياً ضخماً مختبئاً في باطن جبال ولاية يوتا الأمريكية
استخدم فريق بحثي قياسات الجاذبية لرسم خريطة ثلاثية الأبعاد لنهر جليدي صخري مدفون تحت جبل تيمبانوغوس في يوتا، تبيّن أنه يحوي ما يكفي لملء 600 مسبح أولمبي.