منحوتات على بيض النعام قبل 60 ألف سنة تكشف عن قواعد هندسية منظّمة لدى الإنسان القديم
كشف باحثون من جامعة بولونيا أن نقوشاً على قشور بيض النعام من جنوب أفريقيا تتبع تنميطاً هندسياً واعياً ومقنَّناً، مُغيّرةً فهمنا لنشأة التفكير المجرد والفن الرمزي لدى البشر الأوائل.

قبل ستين ألف سنة، في كهوف متناثرة على امتداد جنوب أفريقيا وناميبيا، كانت يدٌ بشرية ترسم خطوطاً متوازية وزوايا قائمة على قشور بيض النعام بدقة تجعل المراقب المعاصر يتوقف مندهشاً. لم تكن هذه مجرد تزيينات عفوية؛ بل كانت، وفق دراسة أجرتها جامعة بولونيا الإيطالية ونُشرت نتائجها في التاسع من أغسطس 2026، تعبيراً عن ذهن منتظم يعرف كيف يُخطّط قبل أن يُنفّذ.
حلّل الفريق البحثي 112 قطعة من قشور بيض النعام المنقوشة مستخرَجة من ثلاثة مواقع أثرية: ملجأ Diepkloof الصخري وكليبدريفت في جنوب أفريقيا، ومغارة أبولو 11 في ناميبيا. باستخدام أسلوب التحليل الكمي الدقيق، تمكّن الباحثون من رصد نمط صادم: أكثر من 80% من التشكيلات النقشية كانت تتبع ترتيبات فضائية ثابتة، تتكرر فيها الزوايا القائمة (90 درجة) والخطوط المتوازية والتماثل الهندسي بصورة لا يمكن عزوها إلى المصادفة.
ما يُميّز هذه الاكتشافات عن النقوش الأثرية المعروفة من قبل هو ما يُسمّيه الباحثون "قواعداً مرئية في طور التشكّل": أي وجود نظام ضمني يُنظّم الأشكال ويُحكم علاقاتها ببعضها، شبيه بما نُسمّيه اليوم القواعد النحوية في اللغة. فالنقوش لا تتشابه فحسب، بل تُنشئ علاقات هرمية بين العناصر؛ إذ تتضمّن أنماطاً صغيرة مُدرَجة داخل أنماط أكبر في ما يُشبه البنية التشعبية.
ما الذي يعنيه ذلك من منظور علم التطور المعرفي؟ يشير الباحثون إلى أن وجود هذا التنميط الهندسي المقنّن يستلزم قدرات ذهنية متقدمة: التخطيط المسبق قبل النحت، والتصوّر الفضائي المجرد، والنقل الثقافي عبر الأجيال (إذ تتشابه الأنماط بين مواقع متباعدة)، فضلاً عن الوعي بالجماليات والانتظام. هذه القدرات كانت تُعدّ حتى وقت قريب أحدث تطوراً مما تُثبته هذه المنحوتات.
السياق الثقافي لهذه القطع يُضيف أبعاداً مثيرة أخرى: إذ ارتبطت بيضة النعام في أفريقيا القديمة بالمياه والحياة بسبب قدرتها على حفظ السوائل، وكانت تُستخدم وعاءً للتخزين وللزينة. ما يُوحي به هذا السياق هو أن النقش عليها لم يكن عملاً عشوائياً بل طقساً اجتماعياً أو رمزياً ذا معنى، يستدعي مهارةً وقصداً.
تنتمي هذه القطع إلى ثقافة Howiesons Poort، وهي مرحلة ثقافية تمتد بين 65 و59 ألف سنة قبل الحاضر وتتميز بدليل واضح على استخدام الرموز والأدوات المُصغَّرة. تُعزّز الدراسة الجديدة فرضية أن هذه الحقبة شهدت قفزة نوعية في التعقيد المعرفي البشري، وليس مجرد تطور تدريجي.
تتقاطع هذه الاكتشافات مع ما تكشفه الأبحاث الأثرية في شبه الجزيرة العربية؛ إذ أثبتت الدراسات الحديثة في منطقة العُلا وتبوك أن الإنسان القديم سلك الجزيرة العربية ممراً حيوياً في موجات الهجرة الأولى من أفريقيا نحو آسيا وأوروبا. وتزخر منطقة الحرّة والجوف بنقوش صخرية تعود إلى آلاف السنين تُحقّق فيها هيئة التراث السعودية ومنظمة اليونسكو حالياً، وقد شرعت المؤسسات الأثرية العربية في توظيف تقنيات التحليل الكمّي الرقمي المشابهة لتلك المستخدمة في هذه الدراسة للكشف عمّا إذا كانت النقوش الصخرية العربية تنطوي على أنماط هندسية ممنهجة مماثلة.
في عالم تُهيمن فيه الذكاء الاصطناعي والحوسبة على أجندة الابتكار، تُذكّرنا هذه الاكتشافات بحقيقة بالغة الأثر: أن القدرة على التفكير المجرد وخلق الرموز وتنظيمها في أنساق قابلة للتواصل هي ما جعل منّا بشراً في المقام الأول، قبل عشرات الآلاف من السنين.
المزيد من علوم

دراسة دولية كبرى تؤكد: الكون لا يزال يتسارع في تمدده والطاقة المظلمة باقية
فريق بحثي دولي بقيادة جامعة ساوثهامبتون يدحض الادعاءات الأخيرة بتباطؤ تمدد الكون، مؤكداً بتحليل دقيق للمستعرات العظمى أن الطاقة المظلمة تواصل دفع الكون نحو التسارع الكوني.
مئات الزلازل الخفية اكتُشفت قرب نهر ثواتس الجليدي وتُهدد برفع البحار ثلاثة أمتار
رصد علماء أستراليون 245 زلزالاً جليدياً مخفياً بالقرب من نهر القيامة الجليدي بأنتاركتيكا بين 2010 و2023، وهي إشارات تُحذر من تسارع وتيرة ذوبانه وعواقبه الكارثية على مستويات البحار عالمياً.

دراسة: مرشحات هيبا تُحسّن الوظيفة التنفيذية للدماغ بنسبة 12% في شهر واحد فقط
تجربة سريرية أمريكية تُثبت أن استخدام أجهزة تنقية الهواء بمرشح هيبا في المنزل لمدة شهر واحد يُحسّن أداء الدماغ لدى البالغين فوق الأربعين بنسبة 12%، مما يكشف أثر تلوث الهواء على الوظائف المعرفية.

علماء يكشفون شذوذاً حرارياً ضخماً في أعماق المريخ يفوق بمئات الدرجات توقعاتنا
باحثو كالتك يكشفون أن الجزء الجنوبي من باطن المريخ أشد حرارةً بمئات الدرجات من الشمال وقد يكون منصهراً جزئياً، وهو ما يفسر لغز المغناطيسية والزلازل المريخية.
الحاسوب الكمي لشركة IBM يحل مسألة تعجز عنها الحواسيب الكلاسيكية في 15 دقيقة
حقق باحثو IBM وجامعة شيكاغو إنجازاً تاريخياً في الحوسبة الكمية باستخدام 70 كيوبتاً منطقياً مصحَّح الأخطاء، إذ أتموا عملية حسابية معقدة في ربع ساعة فقط.

باحثون يكتشفون خزاناً جليدياً ضخماً مختبئاً في باطن جبال ولاية يوتا الأمريكية
استخدم فريق بحثي قياسات الجاذبية لرسم خريطة ثلاثية الأبعاد لنهر جليدي صخري مدفون تحت جبل تيمبانوغوس في يوتا، تبيّن أنه يحوي ما يكفي لملء 600 مسبح أولمبي.