مرايا متحوّلة الشكل في تلسكوب رومان الفضائي قد تكشف عوالم شبيهة بالمشتري
يحمل تلسكوب ناسا 'نانسي غريس رومان' أول كورونوغراف فضائي نشط مزوداً بمرايا قابلة للتشكيل تُتيح إسكات ضوء النجوم ورصد الكواكب الخارجية بحساسية تفوق السابق بألف مرة.

يستعد تلسكوب الفضاء 'نانسي غريس رومان' التابع لوكالة ناسا الأمريكية لكتابة فصل جديد في تاريخ الفلك، حين يتحول أول كورونوغراف فضائي نشط في العالم إلى عيون بشرية تتطلع عبر مليارات السنين الضوئية بحثاً عن كواكب خارجية شبيهة بالمشتري.
يعاني علماء الفلك منذ عقود من مشكلة أساسية: الضوء النجمي الساحق الذي يحجب رؤية الكواكب المحيطة بالنجوم، إذ يفوق سطوع النجم سطوع الكوكب الدائر حوله بنحو مليار مرة. الكورونوغراف هو الجهاز الذي يُقلّص هذا التباين الهائل، غير أن كورونوغرافات هابل وجيمس ويب كانت ثابتة وغير تكيفية، تعمل بالطريقة ذاتها بصرف النظر عن ظروف الرصد المتغيرة.
تلسكوب رومان يُطلق نهجاً مختلفاً كلياً. يضم الكورونوغراف مرآتين قابلتين للتشكيل، تحتوي كل منهما على شبكة مشغّلات بأبعاد 48×48 وحدة. يستطيع كل مشغّل تحريك سطح المرآة بمقدار يصل إلى نصف ميكرومتر، بخطوات لا تتجاوز 10 بيكومترات أي نحو عُشر قطر ذرة الهيدروجين الواحدة. هذا المستوى الاستثنائي من الضبط يُشكّل ما يُعرف بالتحكم في الجبهة الموجية: قياس أي ضوء نجمي متبقٍّ قبل كل جلسة رصد، ثم تعديل أسطح المرايا لإلغائه بدقة متناهية.
يخلق هذا النظام ما يصفه مهندسو ناسا بـ'المنطقة الحلقية حول النجم'، وهي نطاق داكن يُسكت فيه الوهج النجمي تاركاً الكواكب الخافتة تبرز من حوله. في هذه المنطقة المحررة من الضوء الساطع، يصبح ممكناً التقاط الضوء المنعكس عن كواكب تدور على مسافات محددة من نجومها. تُشير تقديرات الفريق الهندسي إلى أن الحساسية ستتحسن بما يعادل ألف مرة مقارنة بالكورونوغرافات الفضائية الحالية.
تتركز الجهود في المرحلة الأولى على رصد كواكب خارجية شبيهة بالمشتري، أي عمالقة غازية ناضجة تدور في مدارات بعيدة حول نجوم تشبه شمسنا. وعلى الرغم من أن هذه الكواكب ستبدو في الصور مجرد تجمعات ضبابية من البيكسلات لا أجراماً مفصّلة، فإن ذلك يكفي لتحليل الطيف الضوئي المنعكس عنها وتحديد مكوّنات غلافاتها الجوية، بل وربما الاستدلال على طبيعة أسطحها.
تُضاف إلى الكورونوغراف كاميرا واسعة الحقل بدقة 300 ميغابيكسل، تُوفّر صوراً أوسع بمئة مرة مما يلتقطه هابل عند مستوى دقة مماثل. هذا التوليف بين الكورونوغراف النشط والكاميرا الشاملة يمنح العلماء أداة رصد غير مسبوقة في تاريخ الفلك الفضائي.
يُطرح سؤال مشروع: لماذا لم يكن هذا ممكناً مع تلسكوب جيمس ويب الذي أذهلنا بصور الكون العميق؟ الجواب يكمن في طبيعة الكورونوغراف ذاته؛ فتلسكوب ويب مُصمَّم بالدرجة الأولى للرصد في الأشعة تحت الحمراء ويحمل كورونوغرافاً ثابتاً يفتقر إلى الديناميكية التكيفية التي يمتلكها رومان. النهج التكيفي لرومان يُعوّضه باستمرار عن تشوهات الضوء الناجمة عن حرارة الأجسام وتذبذب الضوء.
صدى المهمة في العالم العربي
يتردد صدى مهمة تلسكوب رومان في مجتمع علمي عربي يُعيد اكتشاف إرثه الفلكي العريق؛ فالحضارة العربية التي أرست قواعد الفلك الرصدي في القرون الوسطى وخلّدت أسماءها في نجوم لا تزال تُعرف بتسمياتها العربية كـ'الدبران' و'بيتلجوز'، تقف اليوم في مرحلة إحياء فضائي طموح. مركز محمد بن راشد للفضاء في دبي ووكالة الفضاء السعودية يُراقبان عن كثب تطور مهام كشف الكواكب الخارجية، إذ يضع كلاهما في خططه الاستراتيجية تعزيز التعاون العلمي الدولي في مجال استكشاف الكون. وستكون بيانات رومان المفتوحة أمام المجتمع الأكاديمي العالمي فرصة لطلاب الدكتوراه والباحثين العرب للمشاركة في اكتشافات ستُشكّل الفهم البشري للكون لعقود مقبلة.
يرى العلماء أن رومان يمثل الحلقة الرابطة التي يحتاجها الفلك بين ما تحقق الآن وما سيكون ممكناً غداً. بياناته ستستغرق عقوداً لتحليلها الكامل، لكنها ستُمهّد الطريق للمرصد الفضائي للعوالم الصالحة للحياة الذي تتطلع ناسا إلى إطلاقه مستقبلاً. ذلك المرصد سيسعى لاستخلاص ضوء كوكب يشبه الأرض من وسط سيل ضوئي نجمي يتجاوزه بمليار مرة، بحثاً عن توقيعات كيميائية تدل على وجود حياة.
السؤال الذي لم يتوقف البشر عن طرحه منذ أن وجّهوا أبصارهم نحو السماء المظلمة - هل ثمة عالم آخر هناك؟ - بات أقرب من أي وقت مضى إلى إجابة علمية مدعومة بالأدلة.
المزيد من علوم

دراسة دولية كبرى تؤكد: الكون لا يزال يتسارع في تمدده والطاقة المظلمة باقية
فريق بحثي دولي بقيادة جامعة ساوثهامبتون يدحض الادعاءات الأخيرة بتباطؤ تمدد الكون، مؤكداً بتحليل دقيق للمستعرات العظمى أن الطاقة المظلمة تواصل دفع الكون نحو التسارع الكوني.
مئات الزلازل الخفية اكتُشفت قرب نهر ثواتس الجليدي وتُهدد برفع البحار ثلاثة أمتار
رصد علماء أستراليون 245 زلزالاً جليدياً مخفياً بالقرب من نهر القيامة الجليدي بأنتاركتيكا بين 2010 و2023، وهي إشارات تُحذر من تسارع وتيرة ذوبانه وعواقبه الكارثية على مستويات البحار عالمياً.

دراسة: مرشحات هيبا تُحسّن الوظيفة التنفيذية للدماغ بنسبة 12% في شهر واحد فقط
تجربة سريرية أمريكية تُثبت أن استخدام أجهزة تنقية الهواء بمرشح هيبا في المنزل لمدة شهر واحد يُحسّن أداء الدماغ لدى البالغين فوق الأربعين بنسبة 12%، مما يكشف أثر تلوث الهواء على الوظائف المعرفية.

علماء يكشفون شذوذاً حرارياً ضخماً في أعماق المريخ يفوق بمئات الدرجات توقعاتنا
باحثو كالتك يكشفون أن الجزء الجنوبي من باطن المريخ أشد حرارةً بمئات الدرجات من الشمال وقد يكون منصهراً جزئياً، وهو ما يفسر لغز المغناطيسية والزلازل المريخية.
الحاسوب الكمي لشركة IBM يحل مسألة تعجز عنها الحواسيب الكلاسيكية في 15 دقيقة
حقق باحثو IBM وجامعة شيكاغو إنجازاً تاريخياً في الحوسبة الكمية باستخدام 70 كيوبتاً منطقياً مصحَّح الأخطاء، إذ أتموا عملية حسابية معقدة في ربع ساعة فقط.

باحثون يكتشفون خزاناً جليدياً ضخماً مختبئاً في باطن جبال ولاية يوتا الأمريكية
استخدم فريق بحثي قياسات الجاذبية لرسم خريطة ثلاثية الأبعاد لنهر جليدي صخري مدفون تحت جبل تيمبانوغوس في يوتا، تبيّن أنه يحوي ما يكفي لملء 600 مسبح أولمبي.