صيف 2026: الأشد حرارةً في التاريخ وتحذيرات من أن 2027 قد يكون أسوأ

سجّل صيف 2026 أرقامًا قياسية في درجات الحرارة عبر أوروبا والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، في ظل ظاهرة النينيو الأشد على الإطلاق التي تُنذر بأن عام 2027 قد يكون أكثر سخونةً.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
١٥ أغسطس ٢٠٢٦
القراءات
٧
الوقت
قراءة 3 دقائق
موجة حارة تجتاح شوارع مدينة أوروبية

شهد صيف عام 2026 موجات حرارة فارقة أعادت كتابة السجلات المناخية في مناطق متعددة حول العالم. ففي أوروبا، كان شهرا يونيو ويوليو الأشدّ حرارةً منذ بدأت البشرية توثيق درجات الحرارة وتسجيلها منهجيًا، متجاوزَين بذلك أرقامًا قياسية صعبة المنال كانت قد سُجّلت خلال موجات الحر الأوروبية الكبرى في السنوات الأخيرة. وتُشير الدراسات المناخية إلى أن أوروبا هي القارة الأسرع احترارًا على وجه الأرض، وهو ما تُؤكده هذه الأرقام الجديدة المقلقة بصورة جلية.

لم تكن أمريكا الشمالية بمنأى عن هذه الموجة الحرارية الاستثنائية؛ إذ سجّلت الولايات المتحدة أشدّ يوليو حرارةً في تاريخها الموثَّق، متخطّيةً سجلًا عريقًا يعود إلى عام 1936 حين أجهز الجفاف الكبير المعروف بـ"حوض الغبار" على السهول الأمريكية الشاسعة. وفي آسيا، سجّلت كوريا الجنوبية أعلى درجة حرارة في تاريخها المُدوَّن، في مشهد يُجسّد الطابع الكوكبي لهذه الظاهرة المناخية التي لا تستثني قارةً ولا منطقة.

يُقدّم العلماء تغيّر المناخ بوصفه المحرك البنيوي الرئيسي لهذا التصاعد الحراري المتراكم. وتوضّح إحدى الدراسات الحديثة أن موجة الحر التي اجتاحت أوروبا في مايو 1976 كانت ستكون أبرد بنحو 3.5 درجات مئوية لو جرت في ظروف المناخ السائدة في تلك الحقبة قبل التصنيع المكثّف. وبعبارة أخرى، يُحوّل تراكم الانبعاثات الغازية في الغلاف الجوي موجات الحر من أحداث نادرة واستثنائية إلى ظواهر متكررة ومتصاعدة الشدة في كل عقد جديد.

يُضاف إلى عامل تغيّر المناخ البنيوي عاملٌ ظرفي آخر لا يقل وطأةً: ظاهرة النينيو، وهي ظاهرة مناخية دورية ترتفع خلالها درجة حرارة سطح المحيط الهادئ الاستوائي بما يتجاوز 0.5 درجة مئوية فوق المتوسط. ويُشير العلماء إلى أن الحدث الراهن لظاهرة النينيو قد يبلغ ذروته عند 3.5 درجات مئوية أو أكثر فوق المتوسط، ربما ليكون الأقوى في تاريخ الرصد المناخي الحديث. وقد وصف عالم المناخ زيك هاوسفاذر هذا الحدث بأنه "جاء بسرعة استثنائية، ليُمثّل أحد أسرع بدايات ظاهرة النينيو في السجل الرصدي على الإطلاق".

ما يُقلق المتخصصين في هذه المعطيات أن آثار ظاهرة النينيو الحرارية على المناخ العالمي تتأخر عادةً عدة أشهر عن ذروة الظاهرة في مياه المحيط الهادئ. وهذا يعني أن عام 2027 قد يكون أشدّ حرارةً من عام 2026، تمامًا كما أن الحدث المشابه في الفترة 2023-2024 أسهم في جعل عام 2024 الأحرّ في التاريخ المُسجَّل. وتستند هذه التوقعات إلى نمط موثَّق في حوادث ظاهرة النينيو السابقة يُؤكد هذا التأخر الزمني الجوهري بين ذروة الظاهرة البحرية وذروة تأثيرها الحراري على المناخ الأرضي العام.

أطلق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تحذيرات صريحة في هذا الشأن، إذ قال إن ظاهرة النينيو "ستُضيف وقودًا إضافيًا لنار الاحترار الذي يلفح الكوكب". ودعا غوتيريش الحكومات إلى تسريع التحوّل نحو مصادر الطاقة النظيفة وتعزيز منظومات الإنذار المبكر بالموجات الحارة وحماية الفئات الأكثر هشاشةً كالمسنّين والأطفال ومرضى الأمراض المزمنة الذين يتحملون الوطأة الأشد من هذه الظاهرة.

تطرح هذه التطورات تساؤلات جوهرية حول مدى استعداد البنية التحتية الحضرية والصحية لمواجهة موجات الحرارة المتصاعدة. فكثير من المدن الأوروبية والآسيوية بُنيت في حقبة مناخية أبرد ولا تمتلك منظومات تبريد كافية في المباني والمستشفيات ووسائل النقل. وتشير الدراسات إلى أن الوفيات الناجمة عن موجات الحر تُصيب بصورة غير متناسبة الفئات السكانية الأكثر ضعفًا وهشاشةً، مما يستدعي إعادة تصميم السياسات الصحية والعمرانية والزراعية لتتناسب مع متطلبات المناخ الجديد.

تنعكس هذه التطورات المناخية بصورة مضاعفة على العالم العربي الذي يُعدّ من أكثر مناطق العالم عرضةً لأثر الاحترار بحكم موقعه الجغرافي. فدول الخليج العربي تُسجّل درجات حرارة قياسية متكررة تُهدد حياة العمال في الهواء الطلق وتُرهق شبكات الكهرباء تحت ضغط التكييف المتصاعد. وفي مكة المكرمة، أودت موجات الحر بحياة آلاف الحجاج في سنوات سابقة، مما دفع المملكة العربية السعودية إلى ضخّ استثمارات ضخمة في منظومة التبريد خلال موسم الحج. كما تواجه دول المغرب العربي وسوريا والعراق موجات جفاف متصاعدة تُهدد الأمن الغذائي وتُسرّع وتيرة النزوح الداخلي، في حين يسعى البرنامج السعودي لكفاءة الطاقة وحياد الكربون بحلول 2060 إلى تحقيق توازن صعب بين النمو الاقتصادي وخفض الانبعاثات.

إن الصورة التي يُقدّمها علم المناخ اليوم واضحة في خطوطها الكبرى، وإن تباينت التفاصيل والتوقيتات. فالأرض تشهد احترارًا مستمرًا تُضخّمه عوامل دورية كظاهرة النينيو، وستظل موجات الحر أكثر تواترًا وأشدّ ضراوةً في كل عقد قادم ما لم تُتّخذ قرارات جريئة وسريعة للحدّ من الانبعاثات الغازية. وربما كان صيف 2026، بكل ما سجّله من أرقام حرارة مقلقة، منعطفًا يُعيد صياغة الوعي العالمي بعمق الأزمة المناخية ويدفع نحو تحرّك دولي أكثر حسمًا وأسرع وتيرةً.

المصدر الأصلي
MIT Technology Review
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من بيئة

شاحنة كهربائية على الطريق كنموذج للسيارات الكهربائية الأمريكية

شاحنة كهربائية بأقل من 25,000 دولار: هل تُنجح Slate Auto حيث أخفقت سياسات الطاقة النظيفة؟

تطرح شركة Slate Auto شاحنة كهربائية صغيرة بسعر 25,000 دولار وبطارية فوسفات حديد الليثيوم بمدى 205 أميال، مراهنةً على أن المشكلة الأساسية في الاعتماد على السيارات الكهربائية هي السعر لا المدى.

MIT Technology Review
تصور فني لتوسع الكون وتأثير الطاقة المظلمة على انتشار المجرات في الفضاء

دراسة دولية كبرى تؤكد: الكون لا يزال يتسارع في تمدده والطاقة المظلمة باقية

فريق بحثي دولي بقيادة جامعة ساوثهامبتون يدحض الادعاءات الأخيرة بتباطؤ تمدد الكون، مؤكداً بتحليل دقيق للمستعرات العظمى أن الطاقة المظلمة تواصل دفع الكون نحو التسارع الكوني.

ScienceDaily
نهر ثواتس الجليدي في القارة القطبية الجنوبية كما يبدو من طائرة بحثية في مشروع IceBridge

مئات الزلازل الخفية اكتُشفت قرب نهر ثواتس الجليدي وتُهدد برفع البحار ثلاثة أمتار

رصد علماء أستراليون 245 زلزالاً جليدياً مخفياً بالقرب من نهر القيامة الجليدي بأنتاركتيكا بين 2010 و2023، وهي إشارات تُحذر من تسارع وتيرة ذوبانه وعواقبه الكارثية على مستويات البحار عالمياً.

ScienceDaily
تصور فني لدماغ بشري مضيء يرمز لتحسن الوظائف المعرفية جراء تنقية الهواء

دراسة: مرشحات هيبا تُحسّن الوظيفة التنفيذية للدماغ بنسبة 12% في شهر واحد فقط

تجربة سريرية أمريكية تُثبت أن استخدام أجهزة تنقية الهواء بمرشح هيبا في المنزل لمدة شهر واحد يُحسّن أداء الدماغ لدى البالغين فوق الأربعين بنسبة 12%، مما يكشف أثر تلوث الهواء على الوظائف المعرفية.

ScienceDaily
تصور فني للشذوذ الحراري في الوشاح الداخلي للمريخ يُظهر الجزء الجنوبي الأشد سخونة

علماء يكشفون شذوذاً حرارياً ضخماً في أعماق المريخ يفوق بمئات الدرجات توقعاتنا

باحثو كالتك يكشفون أن الجزء الجنوبي من باطن المريخ أشد حرارةً بمئات الدرجات من الشمال وقد يكون منصهراً جزئياً، وهو ما يفسر لغز المغناطيسية والزلازل المريخية.

ScienceDaily
الحاسوب الكمي IBM Q System One في معرض لاس فيغاس 2019

الحاسوب الكمي لشركة IBM يحل مسألة تعجز عنها الحواسيب الكلاسيكية في 15 دقيقة

حقق باحثو IBM وجامعة شيكاغو إنجازاً تاريخياً في الحوسبة الكمية باستخدام 70 كيوبتاً منطقياً مصحَّح الأخطاء، إذ أتموا عملية حسابية معقدة في ربع ساعة فقط.

ScienceDaily