تلسكوب جيمس ويب يرصد كيف يتغذّى الثقب الأسود الهائل بصور غير مسبوقة
تلسكوب جيمس ويب يُقدّم أوضح صورة حتى الآن لآلية تغذية الثقب الأسود الهائل في مجرة NGC 4696 كاشفاً عن قرص دوران عملاق وخيوط غازية تُعيد تدوير المادة في دورة كونية مغلقة.

لم يعد الثقب الأسود الهائل في مركز مجرة NGC 4696 سراً محصّناً كما كان في السابق؛ فقد كشف تلسكوب جيمس ويب الفضائي عن أدقّ تفاصيل آلية تغذيته، مُقدِّماً صوراً تاريخية تُظهر كيف تتحرك خيوط الغاز لتُغذّي هذا الوحش الكوني وكيف تُعيد الطاقة المنبثقة منه تدوير تلك المادة في دورة مذهلة.
نشرت مجموعة من الباحثين من جامعة ولاية ميشيغان نتائج هذه الرصدات في مجلة علمية محكّمة، مُوضِّحةً أن التلسكوب رصد مجرة NGC 4696 لما يقارب ثماني ساعات باستخدام أداة مطياف نيرسبك العاملة في نطاق الأشعة تحت الحمراء القريبة.
ما رآه العلماء كان مذهلاً: خيط ضخم من الغاز يتقارب نحو قرص التراكم الدوّار الذي يبلغ قطره 800 سنة ضوئية، حيث تتسارع الغازات إلى سرعات تصل إلى 600 كيلومتر في الثانية وهي تدور حول الثقب الأسود الهائل في المركز. وكشفت الصور عن بنية بدت للوهلة الأولى كحرف S لكنها في الحقيقة قرص التراكم المرتبط بخيوط غاز متدفقة نحو الداخل.
يُقدّم هذا الاكتشاف إجابةً عن سؤال حيّر علماء الفيزياء الفلكية لعقود: إذا كانت النفاثات الهائلة التي تبثّها الثقوب السوداء تُسخّن الغازات المحيطة، فكيف تستمر الثقوب السوداء في التغذية دون أن ينقطع إمدادها؟ المفارقة تبدو عصيّة على الفهم: الطاقة المُطلَقة يُفترض أن تُبعد المادة لا أن تجذبها.
تقدّم الدراسة الجديدة حلاً أنيقاً لهذه المعضلة عبر نموذج التنظيم الذاتي: الثقب الأسود يُطلق نفاثاته التي تُسخّن الغاز المحيط وتدفعه بعيداً، لكن هذا الغاز في نهاية المطاف يفقد حرارته ويبرد ويتكاثف مُشكِّلاً خيوطاً ضخمة تنهمر مجدداً نحو المركز، فتُغذّي الثقب الأسود من جديد. إنها دورة مغلقة تُديم نفسها بنفسها وتُفسّر كيف تظل النوى المجرية النشطة في حالة نشاط مستمر.
دعمت محاكاة حاسوبية أجراها الباحثون هذا التفسير؛ إذ أظهرت حركة الغاز في النموذج المُحاكى توافقاً بارزاً مع ما رصده التلسكوب، مما يُعطي ثقلاً استدلالياً إضافياً لنظرية التغذية الذاتية بتضافر المجالات المغناطيسية ونفاثات الثقب الأسود والغاز المتبرّد.
يقع NGC 4696 في قلب عنقود قنطورس المجري على بُعد نحو 145 مليون سنة ضوئية، وهو من أكثر المجرات الإهليلجية إضاءةً في ذلك العنقود. وكان رصد الثقب الأسود الهائل في مركزها بهذا المستوى من التفاصيل يبدو مستحيلاً قبل جيل من الزمن.
تُشارك المنطقة العربية في عصر تلسكوب جيمس ويب عبر مسارات علمية واعدة؛ إذ يعكف باحثون في مركز محمد بن راشد للفضاء وجامعة خليفة للعلوم والتكنولوجيا في الإمارات على تحليل البيانات الفلكية المستقاة من المراصد الجيل الجديد، بينما تُخصّص هيئة الفضاء السعودية جزءاً من برنامجها البحثي لدراسة الفيزياء الفلكية عالية الطاقة. وتُولي خطط تطوير مرصد جبل اللوز في المملكة العربية السعودية الاهتمامَ لرصد النوى المجرية النشطة والثقوب السوداء، مما يُدرج هذا الاكتشاف الكوني ضمن منظومة اهتمامات الفلك العربي الصاعد.
يُمثّل هذا الإنجاز فصلاً جديداً في قصة تلسكوب جيمس ويب المتواصلة في إعادة رسم معالم فهمنا للكون. منذ انطلاق عملياته العلمية في نهاية 2022، أحدث التلسكوب ثورةً في دراسة المجرات البعيدة والنجوم في طور التشكّل ومناخات الكواكب الخارجية، وها هو اليوم يُضيف إلى سجله الحافل بلوغاً إلى أعماق آلية عمل الثقوب السوداء الهائلة ذاتها.
يأمل الباحثون أن تُشكّل هذه الرصدات قاعدة للمقارنة مع مجرات أخرى تُظهر نشاطاً مشابهاً، مما قد يُفضي إلى نظرية موحّدة تصف كيف تؤدي الثقوب السوداء دورها في تشكيل المجرات وإيقاف أو تحفيز نشاط تكوّن النجوم في أرجائها.
المزيد من علوم

دراسة دولية كبرى تؤكد: الكون لا يزال يتسارع في تمدده والطاقة المظلمة باقية
فريق بحثي دولي بقيادة جامعة ساوثهامبتون يدحض الادعاءات الأخيرة بتباطؤ تمدد الكون، مؤكداً بتحليل دقيق للمستعرات العظمى أن الطاقة المظلمة تواصل دفع الكون نحو التسارع الكوني.
مئات الزلازل الخفية اكتُشفت قرب نهر ثواتس الجليدي وتُهدد برفع البحار ثلاثة أمتار
رصد علماء أستراليون 245 زلزالاً جليدياً مخفياً بالقرب من نهر القيامة الجليدي بأنتاركتيكا بين 2010 و2023، وهي إشارات تُحذر من تسارع وتيرة ذوبانه وعواقبه الكارثية على مستويات البحار عالمياً.

دراسة: مرشحات هيبا تُحسّن الوظيفة التنفيذية للدماغ بنسبة 12% في شهر واحد فقط
تجربة سريرية أمريكية تُثبت أن استخدام أجهزة تنقية الهواء بمرشح هيبا في المنزل لمدة شهر واحد يُحسّن أداء الدماغ لدى البالغين فوق الأربعين بنسبة 12%، مما يكشف أثر تلوث الهواء على الوظائف المعرفية.

علماء يكشفون شذوذاً حرارياً ضخماً في أعماق المريخ يفوق بمئات الدرجات توقعاتنا
باحثو كالتك يكشفون أن الجزء الجنوبي من باطن المريخ أشد حرارةً بمئات الدرجات من الشمال وقد يكون منصهراً جزئياً، وهو ما يفسر لغز المغناطيسية والزلازل المريخية.
الحاسوب الكمي لشركة IBM يحل مسألة تعجز عنها الحواسيب الكلاسيكية في 15 دقيقة
حقق باحثو IBM وجامعة شيكاغو إنجازاً تاريخياً في الحوسبة الكمية باستخدام 70 كيوبتاً منطقياً مصحَّح الأخطاء، إذ أتموا عملية حسابية معقدة في ربع ساعة فقط.

باحثون يكتشفون خزاناً جليدياً ضخماً مختبئاً في باطن جبال ولاية يوتا الأمريكية
استخدم فريق بحثي قياسات الجاذبية لرسم خريطة ثلاثية الأبعاد لنهر جليدي صخري مدفون تحت جبل تيمبانوغوس في يوتا، تبيّن أنه يحوي ما يكفي لملء 600 مسبح أولمبي.