دراسة تُعيد رسم خارطة التطور: الطفرات المفيدة أكثر مما كنا نعتقد

تكشف جامعة ميشيغان أن الطفرات الجينية المفيدة أوفر مما تنصّ عليه النظرية الكلاسيكية، لكن البيئة المتغيرة باستمرار تحول دون ترسّخها في السكان.

تحرير
ألمعي · هيئة التحرير
النشر
٣١ مايو ٢٠٢٦
المصدر
ScienceDaily
القراءات
٠
الوقت
قراءة دقيقتين
تصوير تعبيري لأصل الحياة والتطور البيولوجي

تُلقي دراسة جديدة أصدرتها جامعة ميشيغان بظلال من الشك على أحد أعمدة علم الأحياء التطوري الحديث، وهو النظرية المحايدة لتطور الجزيئات التي دأب العلماء على الاستناد إليها منذ خمسينيات القرن الماضي. تقول هذه النظرية إن معظم التغيرات الجينية الدائمة في السكان هي في حقيقتها تغيرات محايدة لا مفيدة ولا ضارة، غير أن البيانات الجديدة تُعقّد هذه الصورة.

استخدم الفريق تقنية المسح الطفري العميق، وهي تقنية حديثة تتيح فحص تأثير آلاف التغيرات الجينية دفعةً واحدة. خلص الباحثون إلى أن الطفرات المفيدة في الحمض النووي أكثر شيوعاً مما كان يُفترض تقليدياً، إذ تجاوزت نسبتها واحداً بالمئة من الطفرات المدروسة، وهو ما يبدو رقماً صغيراً لكنه كبير قياساً بالتقديرات الكلاسيكية.

المفارقة الكبرى في النتائج هي أن هذه الطفرات المفيدة نادراً ما تُثبَّت وتنتشر في السكان لتصبح سمةً دائمة. فكيف يكون للطفرة نفع ومع ذلك لا تسود؟ يُقدّم الفريق تفسيراً مقنعاً: البيئة لا تتوقف عن التغير، فما يكون مفيداً في ظرف بيئي معين يتحوّل إلى عبء أو يصبح محايداً حين تتبدّل الظروف، قبل أن تتمكن الطفرة من الانتشار الكافي.

يُقارّ الباحثون هذا المبدأ بمفهوم أطلقوا عليه التأثير المتضاد متعدد الصفات، إذ يُؤدي الجين الواحد إلى تأثيرات متعارضة في سياقات مختلفة. ويصف أستاذ الأحياء التطورية جيانتشي تشانغ الأمر بقوله إن الطبيعة تبدّل قواعد اللعبة باستمرار، وإن التطور يشبه أحياناً المسابقة مع هدف متحرك لا مع هدف ثابت.

أجرى الفريق تجارب على الخميرة على مدى 800 جيل، قارنوا فيها تطور السكان في بيئات مستقرة ومقابلها في بيئات متقلبة. في البيئات المتقلبة، ظهرت طفرات مفيدة مرحلياً لكنها سرعان ما ذابت حين تغيرت الأحوال، في حين استقرت طفرات مشابهة بصورة أكبر في البيئات الثابتة. هذا التوازي أعطى الباحثين دليلاً تجريبياً لدعم فرضيتهم.

للدراسة تداعيات تتخطى النقاش الأكاديمي؛ فالنظرية المحايدة تُستخدم أداةً لتقدير أعمار الأنواع وإعادة بناء شجرة الحياة عبر ما يُسمى الساعة الجزيئية. وإذا كانت الطفرات المفيدة أكثر مما نظن، فقد تحتاج هذه الأداة التقدير إلى معايرة جديدة.

تُلقي هذه الدراسة بظلالها على برامج علم الجينوم المتنامية في العالم العربي، ولا سيما مشروع الجينوم القطري ومبادرة الجينوم البشري السعودية اللتان تستلزمان أدوات دقيقة لتتبّع التاريخ التطوري للتجمعات البشرية العربية واشتقاق تقديرات زمنية موثوقة. فإذا ثبت أن الساعة الجزيئية تحتاج إلى معايرة جديدة، فسينعكس ذلك على الاستنتاجات المتعلقة بأصول السكان وهجراتهم عبر شبه الجزيرة العربية وشمال أفريقيا منذ آلاف السنين.

يؤكد الباحثون أن النظرية المحايدة تبقى نموذجاً مفيداً، لكن الحياة ليست صعوداً تدريجياً نحو الكمال، بل سباق دائم وراء عالم لا يكفّ عن التحرك. هذه الرؤية المنقّحة قد تُرسم فهمنا للتطور بحدود أكثر واقعية وأعمق في آن معاً.

المصدر الأصلي
ScienceDaily
قراءة المقال الأصلي ↗
قصة اليوم · كل صباح

أعجبك التقرير؟ استلم واحداً كل صباح.

قصةٌ تقنية واحدة تستحقّ وقتك، بالعربية. بلا إعلانات، بلا إزعاج.

بلا إعلانات · إلغاء الاشتراك بنقرة واحدة · بياناتك آمنة

اقرأ أيضًا

المزيد من الهندسة الطبية الحيوية

تصور فني لتوسع الكون وتأثير الطاقة المظلمة على انتشار المجرات في الفضاء

دراسة دولية كبرى تؤكد: الكون لا يزال يتسارع في تمدده والطاقة المظلمة باقية

فريق بحثي دولي بقيادة جامعة ساوثهامبتون يدحض الادعاءات الأخيرة بتباطؤ تمدد الكون، مؤكداً بتحليل دقيق للمستعرات العظمى أن الطاقة المظلمة تواصل دفع الكون نحو التسارع الكوني.

ScienceDaily
نهر ثواتس الجليدي في القارة القطبية الجنوبية كما يبدو من طائرة بحثية في مشروع IceBridge

مئات الزلازل الخفية اكتُشفت قرب نهر ثواتس الجليدي وتُهدد برفع البحار ثلاثة أمتار

رصد علماء أستراليون 245 زلزالاً جليدياً مخفياً بالقرب من نهر القيامة الجليدي بأنتاركتيكا بين 2010 و2023، وهي إشارات تُحذر من تسارع وتيرة ذوبانه وعواقبه الكارثية على مستويات البحار عالمياً.

ScienceDaily
تصور فني لدماغ بشري مضيء يرمز لتحسن الوظائف المعرفية جراء تنقية الهواء

دراسة: مرشحات هيبا تُحسّن الوظيفة التنفيذية للدماغ بنسبة 12% في شهر واحد فقط

تجربة سريرية أمريكية تُثبت أن استخدام أجهزة تنقية الهواء بمرشح هيبا في المنزل لمدة شهر واحد يُحسّن أداء الدماغ لدى البالغين فوق الأربعين بنسبة 12%، مما يكشف أثر تلوث الهواء على الوظائف المعرفية.

ScienceDaily
رسم توضيحي لمراحل علاج الخلايا التائية بمستقبل المستضد الخيمري المُستخدَم في علاج السرطان والأمراض المناعية

علاج سرطاني يُدخل التهاب المفاصل الروماتويدي الحاد في مرحلة الهدأة التامة

نجح علاج الخلايا التائية بمستقبل المستضد الخيمري في تحقيق هدأة كاملة لدى ثلاثة من ستة مرضى يعانون من التهاب مفاصل روماتويدي حاد مقاوم للعلاج، وفق دراسة من مستشفى شاريتيه ببرلين.

ScienceDaily
تصور فني للشذوذ الحراري في الوشاح الداخلي للمريخ يُظهر الجزء الجنوبي الأشد سخونة

علماء يكشفون شذوذاً حرارياً ضخماً في أعماق المريخ يفوق بمئات الدرجات توقعاتنا

باحثو كالتك يكشفون أن الجزء الجنوبي من باطن المريخ أشد حرارةً بمئات الدرجات من الشمال وقد يكون منصهراً جزئياً، وهو ما يفسر لغز المغناطيسية والزلازل المريخية.

ScienceDaily
الحاسوب الكمي IBM Q System One في معرض لاس فيغاس 2019

الحاسوب الكمي لشركة IBM يحل مسألة تعجز عنها الحواسيب الكلاسيكية في 15 دقيقة

حقق باحثو IBM وجامعة شيكاغو إنجازاً تاريخياً في الحوسبة الكمية باستخدام 70 كيوبتاً منطقياً مصحَّح الأخطاء، إذ أتموا عملية حسابية معقدة في ربع ساعة فقط.

ScienceDaily